أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 28 ديسمبر 2013

عيد أحد الآباء الأجداد

أحد أجداد ربّنا يسوع المسيح!.

لماذا رتّبت الكنيسة وضع هذا الإنجيل كتقدمة للميلاد والأهمّ لتثبيت هويّة أجداد الرّبّ يسوع المسيح؟!.

من هم أجداد الرّبّ يسوع المسيح؟ أكانوا كلّهم من القدّيسين الأبرار؟ الّذين انتظروا ربّهم آتيهم ليخلّصهم من خطايا عرفوها في أجسادهم، في نواياهم، وفي حياتهم اليوميّة؟ أهم الأنبياء الّذين قُتلوا ما بين الهيكل والمذبح؟! الّذين بدأوا طريق الشهادة بالدّم؟!... أم هم خليط البشريّة السّاقطة الّتي التزمها الإله الكلمة المتجسّد في كيانه، حاملاً عارها وقابلاً آلامها ليخلّصها من موت نفسها المحتّم، لأنّها أنكرته منذ البدء!!. من أوانها الأوّل البكر؟!.

وحدّثنا يسوع مجيبًا تسآلنا أيضًا وأيضًا بالأمثال!!. لماذا؟ لأنّ لهم آذانًا ولا يسمعون ولهم عيون ولا يبصرون.

هذا الشعب المختار الّذي أتاه الرّبّ لأنّه كان يعرف الإله الواحد المثلث الأقانيم، بدون وعي منه للحضرة القدّوسة في سلالة دمه!... كلّم الإله شعبه بالأمثال في تجسّده لأنّهم لم يقبلوه!.

الحقيقة الحق لا تقال إلاّ للمختارين الّذين هم من روح المتكلّم!.

واليهود لم يكونوا "متهوّدين" بالحقّ، الّذي عرفوه وٱنتظروه كلّ أيام حياتهم. لماذا؟! لأنّهم خلقوا إلهًا غير الإله الآتي إليهم!! غير الإله الّذي دفعه لهم الآب من وفي ذاته!! كانوا ينتظرون إلهًا قويًا، عنيفًا، قهّارًا، مؤدِّبًا لا يرحم ولا يسامح ولا يُحبّ!. إلهّا لابسًا حلّة الكهنوت الملوكيّة المطرّزة باللآلئ والذهب، تاركًا الفقراء ينهشون لحومهم وأجساد بعضهم البعض إذ لا مأكل لهم، لتبقى أبواب كهّان الهيكل مقفلة بوجوههم، لأنّ ثيابهم المرقّطة بالذهب أثمن من روح وحياة الإنسان أخيهم الّتي يتساوى فيها معهم، لأنّه إذا وعى تلك الحقيقة تنتفي كلّ غربة بين إنسان وآخر، بين غني وفقير، بين سيّد وعبد ليتّحد الكلّ في جسد ودم الإله الواحد!!.


ويبدأ السّرد الإنجيليّ... "إنسان صنع عشاءً عظيمًا ودعا كثيرين"... حسنٌ التوقف عند كلمة "عظيمًا"... العشاءات تستعمل بوصفها كلمة "كبير" "سخيّ".. إلخ... لكن عظيمًا فكلمة نادرة لوصف ذاك العشاء!!.

العشاء العظيم يقيمه العظماء!! إذاً الدّاعي اليوم للعشاء إنسان عظيم!! ويسوع قال:"أنا أتيت لأَخدِمَ لا لأُخدم" (متى 28:20).


الدّاعي هو الآب السّماويّ، آتيًا شعبه ليتعشّى في البيت معهم، في الفردوس، مع ٱبنه يسوع الإله الكلمة المرسل من لدن الآب ليخلّص ما قد هلك ومعهم!!! إنّها دعوة التوبة والرّجعة إلى من وما طرد عنه الإنسان لعدم حبّه وطاعته!!!. لعدم معرفته!!.



أنّه العودة إلى الآب بالابن، إلى فردوس الثالوث القدّوس!!.

إن أحببنا إنسانًا، صادقناه ودعيناه ليدخل مكان إقامتنا، فيجعلنا بتلك القربى خاصة معه وله!!. والمهمّ في هذا المثل الّذي يحكي قصّة أجداد يسوع، تاليًا، سلالة كلّ البشرية الّتي نحن رأسها في حمل الخطيئة، أنّها وبعد أن ٱنتظرت أجيالاً طوال ولم يأتها المخلّص، دُعيت إلى العشاء العظيم، لتعود هي إليه بالدخول إلى خدره، إلى مائدته!!! وتناقلت الألسنة الخبر والأسماع التسآل، من الدّاعي"؟! وفي سؤلها عرفت هويّته و"لكن"!!.

هذه الـ"لكن" كلمة قال أحدُ الآباء في كنيستنا، إنّها كلمة السّقوط بامتياز!! لماذا حدّدها هكذا؟؟ لأنّ الحبّ تسليم وقبول ووداعة!!. لأنّ كلمة الحياة الأبديّة هي الـ"نعم"! الّتي قالتها مريم رغم كلّ صعوباتها! "نعم يا رب ليكن لي بحسب قولك" وهي كلمة الإبن للآب :"لتكن مشيئتك"! أما اللاّكن ففيها بدء وحوار العقل والمنطق، لدحض فكر الآخر لذا أكّد الرّب: "يا بنيّ أعطني قلبك" ولا تجادلني بعقلك! لأنّه بالحبّ وحده يحيا الإنسان الإلهيّ!!.

رفض كلُّ أولئك، الّذين دُعوا إلى عشاء عرس الحمل فجعلهم ذلك يسقطون في جبّ حبّ العالم وارتموا خارج البيعة الإلهيّة المختارة!!.

هكذا بقي خارجًا في شوارع المدينة وأزّقتها، المساكين والجدّع والعميان والعرج!!... هؤلاء صاروا خاصة الإله ومدعويّه، لا الشعب المختار الّذي تجسّد الإله لينقذه بدءًا من سقوطه ليردّه إليه!!.

"ويبقى أيضًا محل يا سيّد! فقال السّيّد للعبد اخرُج إلى الطرق والأسيجة و"ٱضطرهم" إلى الدّخول حتّى يمتلئ بيتي"!!

هكذا قال الرّسول بولس:"اكرز بالكلمة ... في وقت مناسب وغير مناسب" (2 تيموثاوس 2:4). وهكذا كان على كلّ المدعوّين أن يسمعوا كلمة البشارة!. أن يأكلوا من مائدة العرس، أن يصبحوا عشراء العريس!!.



وأصدر الرّبّ الإله الرّحوم الطّويل الأناة الكثير الرّحمة "حكم الدينونة" على الّذين عرفوا لكنّهم رفضوا العشاء، على الّذين، التحفوا بالأكاذيب وبالاهتمامات الدنيويّة ليبتعدوا عن الإله!!. لم يكن لأيّ من أولئك الأغنياء فضول ولو المرور إلى موضع العشاء ليتعرّفوا ما ذاك العشاء؟! ومن الدّاعي، ومن المدعوّين!... لأنّهم عرفوا بعمق أعماق أنفسهم أنّهم إذا دخلوا المنزل ستكون لهم الرّغبة في البقاء، والشرّير داخلهم أخافهم فخافوا وشكّكهم فشكّوا!!!.

ماذا يريد منّا ذاك الإنسان الدّاعي؟؟ أليجعلنا أُجراء وعبيدًا له؟ يحرّكنا بأصبعه فيجعل حياتنا لعبة بين يديه ويحصل على مآربه منا ويبعدنا عن أهلنا؟!... عن أرزاقنا؟!... عن ممتلكاتنا؟!... عن أبقارنا الّتي ستحرث أرضنا؟!... أو عن شهوة أجسادنا بامتلاك نساءٍ زوجات لنا؟!... لتكثير نسلنا فيغتنوا بما حصّلناه لهم؟! ويعيشوا فرح البحبوحة الزائل ناسين الحياة الأبديّة؟!. "لا لنا يا الله، لا لنا بل لاسمك أعطِ المجد"!! (المزامير 9:113).

من الأجداد وحتّى يومنا هذا، يبقى الإنسان غارقًا في صمته ولا مبالاته! ليس ولا واحد هنا عاد ليشكر على الدّعوة!!. الجميع اعتذروا! قتلوا الدّاعي برفضهم دعوته لهم!. أنكروه! ٱستغنوا عن مآكله! عنه!!.

كلّنا خطئنا وأثمنا!. كلّنا مررنا بتلك التجارب وعشنا فيها!! كلّنا تساءلنا وشككنا، لكن بعضنا سمع صوت الحمل فٱستجاب لنداء الرّاعي! هذا لم "يلعنه" الآب الّذي أعطى حياته للابن لتُعَلّق على الصّليب من قبل شعبه!..

ألا نقف مع هذا الإنجيل وقفة صمتٍ ورهبة غير عارفين لماذا كلّنا في بدء حياتنا على الأرض ومع الرّبّ يسوع، لم نسمع كلمته ولا لبّينا النّداء سِراعًا ولا عبرنا جسور الحبّ الّتي أقامها لنا لنعبر عليها من أرض موتنا إلى الحياة الأبدية الّتي قدّمها لنا مجّانًا بجسده ودمه؟!. لكن البعض لبّوا النّداء وهم فتية في ريعان الشباب ولكن!!!.

تبقى المشكلة في السّقوط، الّذي يشدّ كلّ واحد منّا للعودة عن قرار التزام الحياة الأبديّة مطرحًا ومثوىً أخيرًا لحياتنا على الأرض!.

نحن لم نلبِّ نداء العشاء، لأنّنا لا نريد أن نتغيّر! لا نريد أن نعرى ويُبصق علينا ونُلطم، لأنّنا ٱخترنا إلهًا غير الإله الّذي رُبّينا على عبادته، أي "ذواتنا"... ونبقى كلّنا في سباق يومي حتّى نظهر ونقول ماذا نفعل، كيف نعطي، كيف نحيا لنبقى عظماء في عالمنا لا في عالم الإنجيل، لأنّ كلمة الله لا تقيّد ولسنا نحن منها!.
"أحد أجداد" الرّبّ يسوع هو منخسٌ ونداء لكلّ واحد منّا حتّى نسمع صوته ونأتي إليه تاركين وراءنا ثوب الخطيئة ليَلبسنا هو حلّة الميلاد الجديدة فيعمّدنا تاليًا بنوره على ضفاف أردن قلبه!.


” في احتفالنا اليوم بتذكار الجدود لنسبحن بإيمان يا مؤمنون المسيح الفادي الذي عظمهم في جميع الأمم . الرب الصانع غرائب العجائب . العزيز القدير الذي أبرز لنا من نسلهم عصا قوة . هي مريم فتاة الله النقية التي وحدها لم تذق خبرة الزواج . ومنها بزغت الزهرة أي الذي أثمر للجميع الحياة والنعيم الخالد والخلاص الأبدي ” ( اللحن الثامن – صلاة الغروب ).



أيها الأبناء المحبوبون بالرب الفادي يسوع المسيح
أيها المسيحيون الحسنى العبادة


أن كنيستنا المقدسة الإلهية , تدعونا اليوم وبفم مرنم الكنيسة ,لكي نحتفل ونقيم تذكار القديسين الأجداد ولنسبح فادينا المسيح الإله.

إن الاحتفال بتذكار الآباء الأجداد القديسين يأخذ بعداً روحياً عميقاً كوننا نقيم هذه الشعائر في المكان المقدس حيث الرعاة الساهرون على قطعانهم ” وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم…. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين : المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”. في هذا الحدث الهام والمميز كان للجنس البشري دور الشاهد لتجسد وتأنس كلمة الله للمسيح في المغارة القابلة الإله الواقعة قرب مدينة بيت لحم.

إن الآباء الأجداد وخاصة عميدهم وركنهم الأول وأب الآباء البطريرك إبراهيم الذي كان مسقط رأسه بلاد الكلدانيين , قد تربى في بيت وثنى يعبد والده الأصنام , علماً أن إبراهيم كان نبيهاً ذا لب نقي طاهر , لذا وبموهبة خاصة رفض السجود والعبادة للأصنام لأن هناك بون كبير بين الخالق والمخلوق , فحاشا أن يكون الله من ضمن هذه المخلوقات , وبالهام روحي في فهم نظام الكائنات والمرئيات , استطاع أن يسبح الإله الغير المنظور , فدعي بخليل الله وسجد له كالله (الله الغير المنظور).

لهذا السبب أصبح أب لكثيرين من الأمم , ومنه ولد البطاركة اسحق ويعقوب , ومن يعقوب ولد يهوذا وإخوته , ومن سبط يهوذا ولد الآباء الأجداد ومن نسلهم ولد المسيح .

بكلام آخر فان إبراهيم يصبح جد المسيح لأنه من نسله :” يظهر لنا عصا قوة هي مريم فتاة الله النقية التي وحدها لم تذق خبرة زواج. ومنها بزغت الزهرة أي المسيح الإله مخلصنا وفادينا ” . وبالإضافة لهذا الحدث فقد تنبأ مسبقاً أشعياء النبي القائل: “ولكن يعطيكم السيد نفسه آية . ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتعو اسمه عمانوئيل ” (أشعياء 14:7).

ويرتل مرنم الكنيسة :” لقد أصبح بنو إبراهيم أنبياء إلهيين كليي الحكمة . فسبقوا عن حرارة قلب وأخبروا بالروح القدس عن الكلمة أنه يولد من نسل إبراهيم ويهوذا . فبتضرعاتهم يا يسوع ارأف بنا جميعاً”.

كنيستنا الارثودكسية الرسولية المقدسة ,وخاصة كنيسة أورشليم التي منها ارتقى وبأصالة , خلفية الأجداد ومن نسب وصلب إبراهيم مثل القديس يعقوب أخي الرب أول رؤساء أساقفة أورشليم على كرسي الخلافة الرسولية الممتدة بقوة وثبات وبدون توقف , معطية شهادتها الكاملة والحقيقية للمسيح , وليس فقط بالطريقة التبشيرية أو الشركة الإلهية أي ليتروجياً,بل بالطريقة الطبيعية الحرة الأصيلة , أو لنقل بأكثر دقة فإنها تقدم شهادة أصيلة بدورها التاريخي في الحفاظ والخدمة والوقاية والسهر بكل بطولة وأريحية وشهامة في حفاظها على الوزنة التي أودعت بين يديها ,ألا وهي الأماكن المقدسة : مثل هذا المكان المقدس كمان الرعاة الساهرين في مدينتكم العامرة ,والمكان المقدس في مدينة بيت لحم حيث المهد الشريف وكذلك الأماكن المقدسة للصلب والقيامة في أورشليم .

بكلام اخر أيها الأخوة الأحباء

كنيسة المسيح التي هي جسد – الاله الانسان – ربنا يسوع المسيح من ناحية , وكما أن الكنيسة تعبر عن الحدود البيولوجية والاثنية والعنصرية , فهي فلك سر التدبير الالهي . يعني الفلك الذي به وفيه يتم تحقيق سر الخلاص للبشرية جمعاء بالمسيح.

هنا يتضرع المرنم قائلاً : (( لقد بررت الجدود بالايمان ايها المسيح الاله , وسبقت فخطبت بهم الكنيسة التي من الامم. فالقديسون يفتخرون مباهين بانه من نسلهم أينعت ثمرة شهيرة شريفة هي الفتاة التي ولدت بلا زرع . فبتضرعاتهم خلص نفوسنا .

أيها الاخوة الاحباء

كنيسة المسيح تعدنا وتهيئنا بفم ابائها القديسين حاملي الاله , لنجهز ونعد نفوسنا لنعيد ميلاد المسيح بالطريقة الروحية الالهية , وليس بالطريقة الجسدية والدنيوية , بالطريقة الملائمة والمناسبة لله, وليس بالطريقة الأثنية والأممية كما يأمرنا الرسول بولس: ” فأقول هذا أشهد بالرب أن لا تسلكوا في ما بعد كما يسلك سائر الامم أيضاً ببطل ذهنهم اذ هم مظلمو الفكر ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم” . ( افسس 18-17 :4).

هلموا نحتفل كلنا بالتذكار السنوي للاباء الذين نبغوا قبل الشريعة ,ابراهيم والذي معه , ونكرم سبط يهوذا بحق واجب ونعتصم بدقة بأقوال الأنبياء. فنهتف مع أشعياء النبي بصوت عظيم قائلين : ” ها ان العذراء تحبل وتلد ابناً هو عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” .

هذا هو بالتدقيق ابن العذراء مريم عمانوئيل فنمجده بقلوب نقية وحارة. هذا هو عمانوئيل الذي أحنى السماوات ونزل الى الأرض . المسيح قد ولد فمجدوا , المسيح أتى من السماء فاستقبلوا.

هذا لأنه كما يقول مرنم الكنيسة : الان يأتي رجاء الأمم وافداً من العذراء. وبيت لحم تفتح عدناً المغلقة فتحاً يليق باقتبال الكلمة متجسداً يضجع الجسد في مذوذ .امين



مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين
كل عام و الجميع بألف خير
سامر يوسف الياس مصلح
بيت ساحور - 29-12-2013

الخميس، 19 ديسمبر 2013

القديس نيقولاوس العجائبي


القديس نيقولاوس العجائبي

ولد القديس نقولاوس في أواخر القرن الثالث للمسيح من أسرة شريفة كثيرة الغنى والتقوى و الفضيلة، كان في حداثته مثال التلميذ الكامل يلازم الرفاق الصالحين ويبتعد عن الأشرار،ولا يضيع وقته في اللهو بل يكثر من حفظ العلوم ، مات والداه و خلفا له ثروة طائلة فأخذ يبحث عن الفقراء و المعوزين و يعطيهم دون أن يشعروا من أين يأتيهم الإحسان ، كان يذهب إليهم ليلاً و هو متخف و يسقط لهم النقود من النوافذ بدون أن يعلموا من أسقطها ، ومن أعماله المشهورة إنقاذه لثلاث فتيات من السقوط بالرذيلة التي فكر فيها و الذهن ليوقعهن بها نتيجة لفقره و يأسه و ذلك بالمتاجرة بأعراضهن .


فلما سمع نقولاوس بهذا ذهب ليلاً و رمى له من النافذة مبلغاً من المال و توارى عن الأنظار فلما أصبح الرجل و جد المال فدهش وعد ذلك عملاً إلهيا يؤنبه على ما كان ينوي عمله فندم و زوج ابنته الكبرى بذلك المال بشاب شريف النسب فعلم بذلك نقولاوس و فرح و أعاد الكرة مرة ثانية فزوج الأب إبنته الثانية و لما أعاد الكرة الثالثة ، كان الوالد قد كمن له فوثب عليه و أمسكه فعرفه فرجا منه نقولاوس أن لايعلم أحداً عن ذلك لكن الرجل قام بعكس ذلك وأخذ يذيع إحساناته التي عملها فطار صيته بين الناس في تلك البلاد .


و لما مات أسقف ميرا تضرع الأساقفة و الإكليروس و الشعب إلى الله بحرارة أن يلهمهم من يختاره لذلك المقام الخطير ، فأوحي إليهم أن أول رجل يدخل الكنيسة و يدعى نقولاوس هو الذي اختاره الروح القدس ليكون راعيا ً لتلك الكنيسة . و في الغد دخل نقولاوس كعادته باكراً إلى الكنيسة فكان أول الداخلين فعرفوا أنه هو ذلك العبد المختار من الله فمنحوه الدرجات الكهنوتية و رسموه أسقفاً على مدينة ميرا .


قبض عليه أيام الاضطهاد للمسيحيين في عهد الأمبراطور ذيوكلسيانوس و زج به في السجن و نال الكثير من العذاب و التحقير و بقي في السجن إلي أن تبوأ عرش القياصرة قسطنطين الكبير فأمر بإطلاق سراح جميع المسيحيين في السجون فخرج معهم ، و عاد إلى حياة الجهاد في الكنيسة و قد حضر اجتماعات المجمع المسكونى الأول الذي عقد في نيقية سنة" 325" م ضد بدعة آريوس الذي انكر ألوهية المسيح .


لقب القديس نقولاوس بصانع العجائب لما أجرى الله على يده من المعجزات فقد كان كثير العجائب في حياته و كثير العجائب بعد وفاته ، ومن احدى عجائبه أن قبض الملك قسطنطين مرةً على ثلاثة من القضاة بتهمة و حكم عليهم بالإعدام ، و كانوا أبرياء ، فصلى أحدهم و تضرع إلي الله أن ينقذه هو و رفاقه المظلومين بشفاعة القديس نقولاوس فلم يتم صلاته حتى رأى الملك قسطنطين في الحلم شيخاً داخلاً عليه و قال له :


" انهض أيها الملك واطلق سراح القضاة الثلاثة الذين حكمت عليهم بالإعدام لأنهم أبريأ و قد وشي بهم إليك ظلما ً".


دهش الملك و قال للشيخ :" من أنت حتى تكلمنى هكذا ؟" فقال :" أنا نقولاوس أسقف ميرا ".


فقام الملك لساعته و دعا رئيس الشرطة و قص عليه ما رآه في الحلم فقال له رئيس الشرطة و أنا أيضاً رأيت نفس الحلم في منامي فأرسل الملك و أتي بالمحكومين و سألهم كيف أرسلوا الأسقف نقولاوس ، ليشفع فيهم ؟ فصاح أحدهم و قال يا مولاى هو الله الذي استجاب لطلبي و أرسل الأسقف نقولاوس يدعوكم إلى إعادة النظر في دعوانا و قص عليه ما حدث ،فأمر الملك أن تعاد محاكمتهم فأعيدت و ثبتت براءتهم فشكروا الله على خلاصهم من الموت بشفاعة القديس نقولاوس .


و أراد الملك قسطنطين أن يظهر للقديس نقولاوس سامي تقديره لكونه خلص أبرياء من الموت فبعث إليه بكأس و صينية من الذهب الخالص المحلى بالحجارة الكريمة تقدمة منه إلى كنيسة ميرا ليستعملها نقولاوس في إقامة الذبيحة الإلهية ، و من عجائبة انه قد هدأ البحر و سكن أمواجه ، و أقام من الموت نوتيا كان قد سقط من أعلى السارى و مات ، و قد أضحى شفيع البحارة و صيادي الأسماك و المسافرين بحراً و براً ، و اتخذه المظلومون في المحاكم شفيعاً لهم أيضاً .


يعد القديس نقولاوس من أكثر القديسين شعبية و هو صديق الأطفال و شفيعهم و يتذكرونه في أعياد الميلاد " سانتا كلوز " حيث يتبادل الجميع هدايا العيد.


تحتفل كنيستنا الأرثوذكسية بتذكاره في اليوم السادس من شهر كانون أول شرقي (19 كانون أول غربي ) من كل عام .

مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين
كل عام و الجميع بألف خير
سامر يوسف الياس مصلح
بيت ساحور 19-12-2013

الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013

القديس أبونا البار المتوشح بالله القديس سابا المتقدس

سيرة حياة القديس سابا البار المتوشح بالله

تحتفل الكنيسة في 5 كانون الاول شرقي من كل عام بعيد ابينا القديس البار سابا.

ان البرية الجدباء بهطل دموعك اخصبت . واتعابك الشاقة بتصعيد زفراتك اثمرت الى مئة ضعف .فاصبحت كوكبا للمسكونة يتلألأ بالعجائب يا ابانا البار سابا فتشفع الى المسيح الاله في خلاص نفوسنا

نشاته وحياته: ولد القديس سنة 439ميلادية في قرية صغيرة من اعمال كباذوكية تدعى موتالاسكي لعائلة غنية ومن ابوين يدعيان يوحنا وصوفيا وكانت عائلته ذات جاه وسلطان ويمتدحها الناس لحسن سيرتها واخلاقها كان والد الطفل رجلا عسكريا من رجال الامبراطورية ذائع الصيت في كل انحائها وما ان بلغ الطفل عامه الخامس حتى اضطر والداه ان يتركاه عند عمه ارميان بسبب سفرهما وسكناهما في مدينة الاسكندرية كما اوصى والداه ايضا ان يكون سابا وريثهما الوحيد في كل املاكهما.

وفي يوم من الايام ضاع الطفل وبحث الجميع عنه وبعد وقت قصير وجده ذووه في احد اديرة موتالاسكي ويدعى دير فلافيانوس وكان الفتى سابا قد بذل كما يبدو جهدا ليس بقليل في اقناع رئيس الدير ان يقبله راهبا هناك مع انه كان لايزال شابا في مقتبل العمر حيث فضل حياة الخشونة على حياة البذخ والترف لدى الاهل والاقارب وهكذا صار القديس سابا يعامل في الدير رغم صغر سنه وكتنه الاخ الكبير وفي دير فلافيانوس امضى القديس سنوات طويلة اشتاق بعدها لزيارة الاماكن المقدسة في فلسطين حيث عاش السيد المسيح ليتعرف على الرهبان والنساك هناك وكانت ارادة الله ان ظهر ملاك الرب لرئيس الدير وطلب منه الا يمانع في ذالك.


وحزن الرهبان جميعا على فراقه وفي فلسطين التقفى بالمعلم القديس افتيميوس الكبير وصار له تلميذ وطلب القديس من افتيميوس ان يذهب في مهمة شاقة الى البرية وكان له ما اراد فكان يمضي اسبوعه بعيدا يعمل اعماله المعتادة صائما ومتما واجبات الصلاه وفي كل سبت كان يرجع الى الدير ليسلم ما بعهدته من اعمال ويتناول القربان المقدس وفي البرية كان القديس سابا يتعرض لتجارب الشيطان الذي كان يحاول الايقاع به او تخويفه حتى يترك هذا الطريق ولكن القديس سابا كان يصمد دائما وعندما كان يرسم اشارة الصليب كان الشيطان يبتعد عنه تاركا اياه يتامل وهكذا امضى هناك اربع سنوات في الصلاه وهناك اجتمع حوله كثير من الرهبان واسسوا سوية ديرا لهم هناك رغم ان الماء كان شحيحيا.


وفي احدى الليالي وبعد طاوع البدر وبينما كان القديس يتلو الصلاه طالبا العون والمساعدة بشان الماء ابصر امامه حيوانا يضرب الارض بحوافره ليعمل حفره صغيرة وصار الماء يملا الحفرة والحيوان يشرب حتى روي وبعدها شرب القديس من الماء العذب واشبع ضماة ولا يزال هذا الماء يخرج من الحفرة الى هذا اليوم وفي نفس السنة توفي والد القديس في الاسكندرية واضطرات والدته ان تتوجه الى الديار المقدسة وهنا قام القديس بإلحاق والدته بدير للراهبات واوصت والدته ان تتحول اموالها الى الدير بعد موتها ،قام بعض التلاميذ بمضايقة القديس وعندها لجأ الى احد الكهوف القريبة التى كانت عرينا لاحد الاسود وفي اثناء نومه جاء الاسد من جولة له وبدأ يجر القديس من طرف ثوبه خارج الكهف


ولكن القديس افاق وطلب من الاسد ان يتركه يعيش معه او ان يغادر الاسد هذا الكهف الى مكان اخر وعاش القديس مع الاسد في المغارة ولما بلغ القديس سابا عامه الثالث والتسعين اصيب بمرض شديد مما جعل بطريرك اورشليم انذاك بطرس ان ياخذه الي القدس للاستشفاء ولما احس القديس بدنو اجله طلب ارجاعه الى الدير في البرية وهناك اوصى الرهبان وعين مكانه راهبا مستحقا لرئسة الدير وبعدها اسلم القديس سابا الروح في 5 كانون الاول شرقي سنة 533 ميلادية وهكذا يمنح الله المجد والخلود لمن آمن باسمه تعالى ليكون مثالا نموذجا يحتذى لبني البشر عجائبه في احدى المرات طبخ الطباخ كوسا في اللافرا هذا اسم الدير من اجل العمال واثناء الطبخ ذاقه فوجد انه مر فانزعج جدا لانه لم يكن لديه شي اخر يقدمه لهم للاكل فركض بسرعة نحو الاب وسقط على قدميه.

واخبره بالامر فجاء القديس مباشرة ورسم اشارة الصليب على القدر وقال للطباخ اذهب مبارك هو الرب ضع الطعام على المائدة لكي ياكل الناس ويا للعجب فقد اصبح الطعام حلوا واكل الجميع وشبعوا ويوجد الكثير من المعجزات منها عجائبه بعد موته كان يوجد في المدينة المقدسة صراف من دمشق يدعى روميلوس زكان من خدام الجسمانيه وقد روى انه في الوقت الذى رقد فيه القديس سابا سرق مخزنه وسرق منه مبلغ مائة مثقال ذهبا فذهب بسرعة الى كنيسة القديس ثيوذوروس وبقي هناك خمسة ايام يضي الشمع وكان يبكي ليلا و نهار امام المذبح المقدس وفي منتصف اليلة الخامسة غلبني النوم ورايت شهيد المسيح ثيوذوروس يقول لي ماذا بك ؟ما الذي يحزنك ويجعلك تبكي هكذا وعندما قلت له انني فقدت ما املكه وما اودعه الاخرون لدي واني تذللت كل هذه الايام ولم انتفع شيئاً قال لي القديس صدقني فانا لم اكن هنا


لاننا امرنا ان نوجد مع نفس القديس سابا لكي نرافقها الى مكان الراحة والان اذهب الى المكان الفلاني وستجد السارق والذهب المسروق وهكذا صار فالقديس سابا كان بارا أمام الله وصنع العجائب في حياته وبعد موته ويوجد الكثير من العجائب ،فقد جاهد القديس من اجل وحدة الكنيسة امام الهراطقة فنطلب من القديس سابا ان يتشقع لنا امام الله ليخلص نفوسنا امين.


مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين

كل عام و الجميع بألف خير

سامر يوسف الياس مصلح

18/12/2013

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

القديس يوحنا الدمشقي و القديسة الشهيدة بربارة

القديس يوحنا الدمشقي و القديسة الشهيدة بربارة

--------------------------------------------------------------------------------

في الرابع من كانون اول نعيد للقديس يوحنا الدمشقي و القديسة بربارة




القديسة الشهيدة بربارة

أجمعت الكنائس الرسولية عامة والمشرقية منها خاصة على تكريم القديسة بربارة في 4 /12 . إنما اختلف المؤرخون في تحديد زمن ولادتها و استشهادها . فقد ارتأى بعضهم أنها نالت الشهادة عام 235م إبان الإضهاد السابع الذي أثاره الإمبراطور مكسيمانس الغوثي ضد المسيحية ، ومما يؤكد صحة هذا الرأي ، ما جاء في قصتها أنها راسلت العلامة أوريجانس المتوفي عام 255.


ولادتها ونشأـها

ولدت بربارة في أوائل القرن الثالث للميلاد في مدينة "نيقوميدية" ، وكانت الإبنة الوحيدة لوالدها "ديوسقورس"الوثني المتعصب الذي اشتهر في قومه بالغنى الفاحش ، والجاه، وقساوة القلب ، وبكرهه للمسيحية . أما وحيدته بربارة فكانت دمثة الأخلاق ، لطيفة ومتواضعة ، تحب الناس كافة . ماتت والدتها وهي صغيرة ، فأقام والدها حرسا على بربارة لتبقى في القصر المنيف من شدة خوفه عليها ، كما جلب لها أساتذة بارعين ليعلموها شتى أنواع العلوم اللغوية والفلسفية والتاريخية لتنشأ كسائر فتيات الأغنياء في عصرها ، كما ملىء والدها جوانب القصر أصناما لشتى الآلهة التي كان يعبدها لتتمثل به وحيدته بالسجود والعبادة .



نالت بربارة ثقافة دنيوية عالية ، لكنها كانت تشعر بفراغ كبير في عقلها وقلبها ، ، وكان بين خدمها بعض المسيحيين فاستفسرت منهم عن إلههم الذي لايسكن في الحجارة فشرحوا لهاأصول الدين المسيحي وأشاروا عليها مراسلة العلامة " أوريجانس" استاذ مدرسة الإسكندرية الكبير ، الذي بإمكانه ان يبسِّط أمام أمثالها من المثقفين حقائق الدين .


كتبت بربارة الى وريجانس بما يدور في رأسها من أفكار دينية فلسفية . وطلبت اليه أن يتنازل ليكون معلما لها ، فابتهج أورجانس بذلك وأجابها على رسالتها موضحا حقائق الإيمان المسيحي ، وأرسل لها كتابا بيد تلميذه "فالنتيانس" الذي أوصاه أن يشرح لبربارة تعاليم الرب يسوع . ولما قرأت بربارة رسالته امتلأت من الروح القدس ، وبشجاعة فائقة أدخلت "فالنتيانس" الى قصرها ليكون أحد أساتذتها فلقنها أصول الإيمان المسيحي ، وشرح لها عقيدة التجسد الإلهي ، وبتولية العذراء مريم والدة الإله . وبعد أن تعمقت بأصول الدين طلبت أن تنال نعملة العماد ، فعمدها الأب "فالنتيانس "، وكرست نفسها للرب يسوع ، وكانت تواظب على الصلاة والتأمل بسيرة الفادي سواد ليلها ، وبياض نهارها ، وازداد احتقارها للأصنام التي ملىء أبوها القصر فيها .

رفضها الزواج بوثني

طلب يد بربارة أحد أبناء النبلاء من الوثنيين في "نيقوميدية " ، ففاتحها أبوها بذلك فرفضت الإقتران به ، محتجة برغبتها في البقاء الى جانب أبيها وصعوبة فراقه والإبتعاد عنه . فقرر أبوها أن يعودها البقاء دونه فسافر الى مدينة أخرى بضعة أيام .


تحطيمها الأصنام وتقديسها الثالوث

وانتهزت بربارة فرصة غياب أبيها عن القصر فأكثرت في الصيام والصلاة والتأمل ، بالكتب المقدسةوسيرة القديسين ، كما حطمت أصنام أبيها الكثيرة المنتشرة في جوانب القصر ، وكان أبوها قد أمر أن يشيد لها حمام خاص في القصر ، ويفتح فيه شباكان ففي غيابه أمرت البنائين أن يفتحوا شباكا ثالثا كي يكون عدد الشبابيك الذي يدخل خلالها النور على عدد الثالوث الأقدس .

ظهور السيد المسيح لها

وظهر لها الرب يسوع بهيئة طفل صغي جميل جدا ، فسرت بذلك لحظات من الزمن وانقلب سرورها حزنا عميقا ، لما تغير هيئة الطفل الإلهي ، إذ تخضب جسمه بالدم فتذكرت الفادي وتحمله الآلام والصلب في سبيل فداء البشرية . وكانت الملائكة تظهر لها وتعزيها وتشجعها ، وهكذا عاشت بربارة السماء وهي على الأرض وزشابهت الملائكة طهرا ونقاء.
معرفة أبوها

عندما عاد " ديوسقوروس" أبيها من رحلته ووجد إن ابنته بربارة قد حطمت أصنامه هاج كالوحش الكاسر وأوشك في ثورة غضبه أن يقضي عليها ضربا وتجريحا ولكنها هربت من أمام وجهه ، وبعد أيام فاتحها ثانية بأمر تزويجها من شاب وثني ، فرفضت معلنة له بأنها قد وهبت نفسها للرب يسوع ، فخر عن طوره وكاد أن يفتك بها معتبرا كلامها إهانة له ولدينه الوثني ، وحاول أن يوضح لها أنها إذا بقيت على هذه الحال سوف يفقد مركزه المرموق في الدولة ، وإذا بقيت مسيحية فسوف يغسل عاره بسفك دمها بيده ، هنا لبت منه بربارة أن يستمع لها ولو مرة واحدة فشرحت له بطلان عبادة الأوثان فغضب والده من لامها وشكاها الى حاكم المدينة


اعترافها بالمسيح جهرا

بناء على شكوى والدها استدعاها الحاكم ليحاكمها أمام الجمهور وحاول إغرائها بالوعود الذهبية اذا تراجعت عن ايمانها بالمسيح ، لكنه باء بالفشل عندما أظهرت احتقارها لكل ما في العالم من مال وسلطة ، وافتخارها بالمسيح يسوع ، فأمر الحاكم بتكبيل بربارة ، ثم عروها من ثيابها وجلدوها بسياط مسننة كالسكاكين ، فتمزق جسدها وهي صابرة لا تشتكي ، بل تمجد المسيح وتسأله أن يمنحها القوة لتعترف به أمام المحكمة . ثم أمر الحاكم في اليوم التالي بإستجوابها أمام الناس الذين تعجبوا جدا إذ رؤوا جسمها خاليا من آثار السياط . وحاول الحاكم ثانية إغرائها وإذ لم تؤثر فيها وعوده ووعيده أمر بتهميش ساقيها بأمشاط من حديد ، وحرقوها بمشاعل موقودة ، وأكثروا من الضرب على رأسها وقطعوا ثدييها ، ثم ملحوا جسدها المثخن بالجروح وكل هذا حدث وهي تسبح الله وتعترب بإيمانه بيسوع.

مواصلة جهاد بربارة وتحملها العذاب

أعادوا بربارة الى سجنها المظلم وفي اليوم الثاني قادوها أمام الحاكم وكم كانت دهشة اناس عظيمة إذ رؤوها بكامل صحتها ، ونسب الوالي شفاءها الى آلهته . فقال لها" أنظري كيف استطاعت الآلهة أن تحميك "فأجابت بربارة " لو كان لأصنامك حياة لأستطاعت أن تحمي نفسها في اليوم الذي حطمتها في قصر أبي ، الإله الحي هو الذي ضمد جروحي ". فاستشاط الحاكم غضبا وطلب من جنوده أن يقطعوا رأس بربارة بعد جرها في الشوارع عارية ، فسترها الله بضياء سماوي .


استشهادها بيد أبيها

وطلب أبوها من الحاكم أن يأذن له بقطع لرأسها بيده فسمح له بذلك ، فقادها أبوها الى خارج المدينة وهو يزبد ، وعندما وصل الى قمة الهضبة جثت بربارة على الأرض وضمت يديها الى صدرها على شكل صليب وحنت هامتها ، فتناول أبوها الفأس وهوى به على رقبتها وقطعه.

طروبارية باللحن الرابع
لنكرمن القديسة بربارة الكلية الوقار، لأنها حطمت فخاخ العدو، ونجت منها كالعصفور، بمعونة الصليب وسلاحه.


قنداق باللحن الربع
أيتها الشريفة بربارة اللابسة الجهاد، لقد تبعت الثالوث المسبح بحسن العبادة، فأهملت المعبودات الوثنية، ولما جاهدت في وسط الميدان بعزمٍ ثابتٍ، لم تجزعي من تهديدات المغتصبين، صارخةً بصوتٍ عظيم، أيتها النقية: إنب أعبد ثالوثاً بلاهوتٍ واحد.

وترنّم الكنيسة للقديسة بربارة، في صلاة السحر، هذه الأنشودة المعبّرة: 


"يا بربارة الكلية الوقار، لما جزتِ سبيل الجهاد، فررت من رأي أجدادك، وكبتول حكيمة دخلت إلى ديار ربك حاملة مصباحك. وبما أنك شهيدة شجاعة. نلت نعمة لتشفي الأمراض الجسدية. فأنقذينا، نحن مادحيك، من أسواء النفس بصلواتك إلى الرب إلهنا".

(صلاة السحر – على ذكصا الاينوس)





سيرة القديس يوحنا الدمشقي:

هلموا نمتدح البلبل الغريد الشجي النغم الذي أطرب كنيسة المسيح و أبهجها بأناشيده الحسنة الإيقاع الطلية أعني به يوحنا الدمشقي الكلي الحكمة زعيم ناظمي التسابيح الذي كان مملوءاً حكمة إلهية و عالمية


ولد القديس يوحنا في مدينة دمشق في سورية نحو سنة 676 م، أيام الخلافة الأموية و كان أبوه المنصور (سرجيوس) وزيراً للخليفة عبد الملك بن مروان و كان محبوباً عند الخلفاء مكرماً عند المسيحيين و المسلمين لما إتصف به من خصال عالية و أخلاق حميدة، و كان يستخدم ماله من إعتبار لدى الخلفاء لإعتاق المأسورين ، عني منصور بتربية ولده يوحنا و أراد له أن يتعلم العلوم و الفلسفة فحار لمن يسلم أمره و بينما كان كعادته يتفقد أسرى الحروب مر بفرقة معدة للقتل و رأى كاهناً راهباً فرثي لحاله و سأله عن إسمه و نسبه فعرفه ذلك الراهب بحاله و أسفه على ضياع حياته قبل أن يستفيد أحد من علمه ، فتنبه المنصور للأمر و أتي به إلي الخليفة فإستوهبه إياه فوهبه له ، فأتي به إلي بيته و سلم إليه مقاليد تربية إبنه يوحنا وولده الثاني بالتبني قزماً .
كان ذلك الكاهن يدعى قزماً أيضاً وكان ماهراً في العلوم و الفنون فشغف بالوزير و بولديه و أخذ يلقنهما أصول البيان و الفلسفة و رأى من الولدين ميلاً كبيراً إلي الإلهيات فجعل يشرح لهما علم اللاهوت فنبغ يوحنا في تلك العلوم نبوغاً عظيماً و لما أتما علومهما استأذن قزماً الوزير المنصور في الذهاب إلي دير القديس سابا ليمارس أعمال النسك فأذن له و أطلقه ، فأتى قزماً دير القديس سابا و نسك هناك و مات الوزير المنصور فسلم الخليفة إلي يوحنا مقاليد السلطة التي كانت بيد أبيه و أقامه وزيراً بدلاً منه لما كان يتمتع به يوحنا من علوم عالية و مبادئ سامية فقام يوحنا بأعباء منصبه أحسن قيام رغم حداثة سنه .
في ذلك الوقت ظهرت بدعة غريبة قام بها الملك لاون الإيصوري يقول فيها إن إكرام الأيقونات هي عبادة وثنية و أمر بتحطيم الأيقونات و نزعها من الكنائس و البيوت و أثار على الكنيسة حرباً و أرسل الجند إلي الكنائس و المنازل فأخذوا يكسرون ما وصلت إليه أيديهم من الأيقونات الثمينة و يحملون إلي خزائن الملك صفائح الذهب و أكوام الحجارة الكريمة التي كانت تزين تلك الأيقونات فثار الأساقفة و الكهنة و الرهبان و جمهور الشعب و إستماتوا في الدفاع عن إيمانهم الذي لا يقدم عبادة سجود للذهب و للخشب و للمواد المصنوعة منها الأيقونة ، و إنما يكرم الأشخاص الذين تمثلهم الأيقونات و تقدم السجود لله وحده فقط و قد شارك يوحنا أبناء الكنيسة في الدفاع عن الإيمان المستقيم ، و كتب رسائل شرح فيها العقيدة الأرثوذكسية و تعاليمها ببراهين لاهوتية و منطقية .

و يقال أن الملك لاون حاول أن يخنق صوت الدمشقي بالحيلة فاستدعى أمهر الخطاطين لديه و طلب منهم أن ينسخوا له رسالة كتبها زوراً و كأنها مرسلة إليه من القديس يوحنا يستعين به( الإمبراطور) على الخليفة و أرفق لاون الرسالة المزورة بأخرى شخصية عبر فيها للخليفة عن رغبته في السلم و الصلح بينهما و للتأكيد على ذلك يرسل إليه صورة الرسالة التي أرسلها إليه يوحنا، فلما أطلع الخليفة عمر بن عبد العزيز على الرسالتين إستبد به الغضب الشديد و أرسل في طلب يوحنا وواجهه بهما فدافع القديس عن نفسه و لكن جدوى ، فأمر الخليفة السياف بقطع يد القديس اليمنى ، فأخذ قديسنا يده و دخل إلي بيته و إرتمى عند أيقونة والدة الإله و صلى بدموع غزيرة لتردها له و فيما هو مستغرق في صلاته غفاً، و إذا بوالدة الإله تتراءى له في الحلم قائلة : ها إن يدك قد عوفيت الآن . فاستيقظ يوحنا من النوم ليكتشف أن يده قد عادت بالفعل صحيحة و موضع القطع ظاهر عليها كخط أحمر .

أثر الأعجوبة ، حاول الخليفة إستعادة يوحنا و لكن قديسنا كان قد زهد في الدنيا و تاقت نفسه إلي حياة النسك و العبادة فاستأذن الخليفة و ترك البلاط و باع أملاكه و وزع ثمنها على الفقراء و الأيتام و الكنائس و الأديرة و سافر قاصداً دير القديس سابا و أتى الدير و تضرع إلي الآباء أن يقبلوه في عداد صغار الرهبان . دخل يوحنا الدير مشغوفاً بحب الإبتعاد عن العالم و ممارسة الفضائل الرهبانية و الطاعة و التواضع و قهر النفس.

و لما كان إسمه قد ملاء الدنيا خاف رئيس الدير أن يكون دخوله مؤقتاً ثم يعود إلي حياة النعيم التي تعودها و أراد أن يمتحنه فعين له مرشداً راهباً طاعناً في السن كثير التقشف شديداً على نفسه و على غيره فكان يوحنا يسير بموجب إرشادات أبيه الروحي فادهشت طاعته رهبان الدير و لا سيما عندما رأوه يجيد أحقر أعمال الخدمة التي كان يفرضها عليه مرشده، و بعد أن تحقق رئيس دير القديس سابا فضيلة يوحنا السامية و تواضعه و علمه الغزير فكر في رسامته كاهناً لينفع الشعب بمعارفه و فضائله فقدمه للبطريرك الذي رسمه كاهناً و أوكل إليه الوعظ و الإرشاد في كنيسة القيامة ، فشرح التعاليم اللاهوتيه و دافع عن الأيقونات و دحض حجج لاون الأيصوري و أتباعه و أخذ يطوف مدن سورية و فلسطين ليثبت المؤمنين في عبادة الله و يبعدهم عن شر تلك البدعة الهرطقية التي جاهر بها لاون و أتباعه .

ألف القديس يوحنا الدمشقي كتباً نفيسة عديدة منها اللاهوتية و الفلسفية التي شرح فيها عقائد الإيمان ووضع التسابيح الكنسية و الألحان الثمانية التي لا زالت كنيستنا الأرثوذكسية تستعملها إلي اليوم في صلواتها و طقوسها جمعها في كتاب المعزي. رقد بالرب نحو السنة 760 م، و له من العمر84 سنة . تحتفل كنيستنا الأرثوذكسية بتذكاره في الرابع من شهر كانون أول شرقي(17 كانون أول غربي) من كل عام.

طروبارية على اللحن الثامن

لقد ظهرت مرشداً إلي الإيمان القويم و معلماً لحسن العبادة و لطهارة السيرة. فأنرت الجميع بتعاليمك يا معزفة الروح القدس . و كوكب المسكونة. و جمال رؤساء الكهنة يوحنا الحكيم المتأله اللب. فتشفع إلي المسيح الإله في خلاص نفوسنا.

فبشفاعات قديسيك ألهم ارحمنا آمين



تحتفل كنيستنا الأرثوذكسية بعيده في السابع عشر من شهر كانون أول شرقي (4 كانون اول غربي) من كل عام 

مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين
كل عام و أنتم بألف خير
سامر يوسف الياس مصلح
بيت ساحور - 17-12-2013

الأربعاء، 4 ديسمبر 2013

عيد دخول السيدة إلى الهيكل

باسم الآب والإبن والرّوح القدس الإله الواحد آمين 
عيد دخول السيدة إلى الهيكل (21 ت2)
تدبير الله الكلمة في الجسد

الشجرة الحسنة إنما تعرف من ثمرها، فكيف لا تكون والدة الصلاح ومولدة الحسن الأزلي إذاً أرفع شأناً بصلاحها من كل ما في العالم ومما فوق العالم؟ ذلك لأن القوة التي صنعت كل شيء، أيقونة الصلاح الأزلية والكلمة الكائن قبل الأزل الفائق الجوهر والفائق الصلاحن قد شاء في
 محبته للبشر التي لا توصف ورأفة بنا أن يلبس صورتنا، ليعيد طبيعتنا التي نزلت إلى أعماق الجحيم ويجددها بعد أن عنقت، ويصعدها إلى علو ملكوته وألوهيته الذي يفوق السماوات. شاء أن يتحد إذاً بطبيعتنا بحسب الأقنوم وكان محتاجاً من ثم إلى جبلة جسدية وإلى بشرة جديدة تكون في الوقت عينه بشرتنا نحن لكي يجددنا، ولذلك كان محتاجاً إلى حبل شبيه بحبلنا، وإلى ولادة شبيهة بولادتنا، وإلى تغذية بعد الولادة وتصرف يتناسب وإيانان صائراً بالتالي على شبهنا لأجلنا.

وهكذا وجد له أمة ملائمة هي العذراء الدائمة البتولية مريم لتمنحه من نفسها طبيعة لم يلحق بها دنسن وهي التي نسبحها اليوم مقيمين تذكار دخولها العجيب إلى قدس الأقداس، إذ سبق الله فعينها من قبل الدهور لأجل خلاص جنسنا وإعادته، مختاراً إياها من بين جميع المختارين المشهود لهم بالتقوى والحكمة والأخلاق الحسنة قولاً وفعلاً.

كان دخول السيدة والدة الإله إلى الهيكل عن طريق الصلاة إذ حصل الوالدان على طلبهما وعاينا تحقيق الوعد، فأسرعا من ثم ليوفيا النذر كونهما صفيين لله. فبعد الفطام حالاً أتيا بالطفلة العذراء والدة الإله إلى هيكل الله حيث رئيس الكهنة، وكانت الطفلة متلئة نعمة منذ ذلك السن حتى إنها كانت تعي ما كان يجري أمام عينيها وتعبر قدر استطاعتها عن حرية انقيادها وعن تقدمها الطوعي إلى الله، كما لو كانت مأخوذة بالعشق الإلهي مشتهية هذا الدخول والسكنى في قدس الأقداس.

لقد فهم رئيس الكهنة أن الطفلة حاصلة على النعمة أكثر من الجميع فأقامها من ثم في المكان الذي هو أفضل من أي مكان آخر، مدخلاً إياها إلى قدس الأقداس ومعلّماً الكل توقير العذراء التي كانت تتغذى بقوتِ إلهي يحضرها إليها ملاك، والذي به كانت تنمو في جسدها على نحو أجزل طهراً ونقاء وسموا من القوات العادمي الأجساد. إذا كان الملائكة يخدمونها، هي التي لم تدخل الهيكل من تلقاء نفسها بل التي أجتذبها إليه الله نوعاً ما لتسكن معه سنوات عدة إلى ان انفتحت الأخدار السماوية وقدّمت للمؤمنين هيكلاً إلهياً بمولودها العجيب.

لذلك أودعت اليوم في الأقداس كذخيرة إلهية هذه الطفلة المختارة بين المختارين منذ الدهر، التي كان جسدها أكثر طهارة من الأرواح المطهرة بالفضيلة، حتى إنها أضحت لا رمزاً للأقوال الإلهية وحسب، بل ومسكناً أيضاً لأقنوم الكلمة الابن الوحيد نفسه الذي للآب غير المولود.

هذه الوديعة في حينها كزينة غنية تفوق العالم، ولذلك يمجد أمه قبل الولادة وبعد الولادة أيضاً.

وأما نحن فإذ نفهم معنى الخلاص الذي يتهيأ عن طريقها فنقدم لها الشكر والتسبيح كله.

هكذا حين سمعت المرأة المذكورة في الإنجيل الأقوال الخلاصية طوبت والدة الإله مؤدبة لها الشكر جهازاً وقائلة للرب: "طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين رضعتهما" (لوقا 27:11).

ونحن الحائرون على أقوال الحياة مكتوبة أمامنا، ومعها العجائب والآلام، وإقامة جنسنا من الأموات، وإصعادها إلى السماء، والحياة الأبدية الموعود بها، والخلاص المنتظر كيف لا نواصل التسبيح والتطويب الآن لمن ولدت معطي الخلاص ومانح الحياة، عند الحبل بها وعند ولادتها وعند دخولها إلى الأقداس؟

إذاً فلننقل ايها الإخوة أنفسنا نحن: أيضاً من الأرض إلى السماء، ومن الجسديات إلى الروحيات. لننقل شوقنا من العابرات إلى الباقيات، ولنزدر بالملذات الجسدية التي تطعن بالنفس وتعبر بسرعة. فلنشته إلهيات الروحية التي تبقى بلا فساد، ولنرفع ذهننا من الصخب مرتقين به إلى السماوات، إلى قدس الأقداس حيث تسكن والدة الإله.

هكذا سنقدم لها نشائدنا بدالة كبيرة، وهكذا سنصبح بشفاعاتها ورثاء للخيرات الباقية بنعمة الرب يسوع المسيح ومحبته للبشر، الذي ولد منها لأجلنا والذي به يليق المجد والإكرام والسجود مع أبيه الذي لا بدء له وروحه الكلي قدسه الصانع الحياة، الآن وكل آوان وإلى دهر الداهرين. آمين
 قيمة العيد الثبوتية:
إن حادثة دخول العذراء إلى قدس الأقداس وهي في الثالثة من عمرها واقتبال زكريا لها، مأخوذة من إنجيل زائف، فهل يمكن تطبيق القاعدة المشهورة Lex orandi, Lex credenda (قانون الصلاة هو قانون الإيمان)، أي نؤمن كما نصلي، بحيث أن ما قبلته الكنيسة في خدمها الطقسية يجب اعتباره جزءاً من تراثها؟ هذه القاعدة نجد لها أساساً في الكتاب نفسه. فعندما يقول الرسول: ((إن كان الأموات لا يقومون البتة فلماذا يعتمدون من أجل الأموات)) (1كو 15: 29). فكأنه يقول ان من الخدمة الطقسية يُعرف الإيمان. كذلك لجأ إلى هذه القاعدة باسيليوس الكبير في القانون الـ 92.
ولكن هذه القاعدة إذا عنت أن الليتورجيا في نهجها العام وفي روحيتها تشير إلى تعليم فهذا لا يصح تفصيلاً ولا يصح عن كل نص. فبين النصوص الطقسية تفاوت كبير من حيث القدم وتفاوت كبير من حيث العمق الروحي وتباين في الثبوت التاريخي. فضلاً عن أن هناك مشكلة الأنواع الأدبية، فالخدم صيغ بعض من نصوصها أدباً عقائدياً دقيقاً كالثالوثيات في الأكطويخوس وبعضها شعر ديني كالأكاثسطون وكثير منها إطراء رتيب كما في أكثر الميناون.
وفي الطقوس، كما في الكتاب، نصوص ظاهرها تاريخي ولكنها تعليمية. فإن رأى كبار الشراح من الآباء وغيرهم، وخاصة باستعمالنا أساليب النقد الحديث، إن رأوا أن كلمة الله تستخدم القصة التعليمية أحياناً كقالب لها فليس ما يحول إذاً أن تلجأ الطقوس الإلهية إلى القالبي الغنائي للتعبير عن حقيقة أعمق. فإذا تبنت الكنيسة عيد دخول السيدة مثلاً واقتبست هيكله من الأدب التقوي الشعبي فلا تلزمنا بالضرورة أن نقول بحدوث الحادثة ولكنها تدعونا لتأمل معنى روحي قائم أصلاً في التقليد الكنسي ذي ارتباط بسر خلاصنا ولو كنا لا نستطيع أن نتبين ارتباط هذا المعنى بعالم الحس.

وبالإضافة إلى ذلك فإن عقر حنة وحبلها وصلاتها شبيهة بروايات أُخرى في الكتاب كرواية أم صموئيل (1مل 1 و 2). والسرد متأثر تأثراً واضحاً بإنجيل لوقا. وجلي أيضاً أن الكاتب اراد لوالدة الإله ما أراده لإبنها من مولد عجيب تحدثت عنه السماء وأراد لها دخولاً إلى الهيكل كما صار له، وأعيادها جملةً ترداد لأعياده حتى تظهر، بشكل طقسي، مشاركتها له في المجد. كل هذا يجعلنا نذهب إلى أن العيد عيد فكرة وأن ليس في القرون الأولى ما يلقي طابعاً ثبوتياً على الحادثة، فنقول إنه خلقت الحادثة في الديانة الشعبية ونشأ العيد مستعملاً الصورة في الديانة الشعبية لدعم الفكرة.

وخدمة العيد كما هي لدينا، ذات عناصر أضيفت إلى إنجيل يعقوب يجب إقصاء الطابع التاريخي عنها كلياً.

فنص الخدمة جعل مريم تتربى ليس في الهيكل وحسب كما يكتفي بذلك إنجيلنا الزائف ولكنه يجعلها تتربى في قدس الأقداس. ((اليوم القديسة الكلية الطهر تدخل إلى قدس الأقداس كعجلة ذات ثلاث سنين)) (كانين الأيونس). وحتى يتاح لها ذلك، مع أن ولوج قدس الأقداس مباح فقط لرئيس الكهنة مرة بالسنة (لاويين 16: 15)، كان لا بد أن يُجعل زكريا المذكور في الأبوكريفا رئيس كهنة وهذا غير وارد لأن إنجيل لوقا يصفه كاهناً عادياً (لو 1: 5، 8، 9) ولأن قائمة رؤساء الكهنة في ذلك العهد، كما وضعها يوسيفوس المؤرخ، لا تذكر أبا السابق بين رؤساء الكهنة.
فكرة العيد
يجب إذاً أن نقفز فوق الحادثة ونتعمق من العيد معناه الروحي. وقد حاولت الكنيسة استقصاءه بين القرن السادس والقرن الثامن. في تشرين الثاني السنة الـ 543 كُرست الكنيسة الجديدة للسيدة في القسطنطينية ولعل تعيين تاريخ اليوم الـ 21 من هذا الشعر للعيد مرتبط بذكرى تجديد هذا المعبد. فانتقلت الكنيسة، بالفكر، من حدث قسطنطيني إلى حدث أشمل بمغزاه، فكان العيد.

ثم نجد القديس اندراوس الأخريطشي صاحب قانون التوبة المشهور يعظ ثلاث عظات عن العيد. وقديسنا بعد أن ترك موطنه دمشق قضى معظم حياته في أورشليم والقسطنطينية وأخريطش (جزيرة كريت). انتهى إلى القسطنطينية في السنة الـ 680 أو الـ 686 ومات أسقفاً على كريت السنة الـ 740. ففي أواخر القرن السابع أو بدء الثامن العيد قائم في واحدة من هذه البقاع.

في الخدمة فكرة تفيد أن العذراء جزء من تدبير الخلاص ومرئية في المقاصد الأزلية. بهذا المعنى: ((إن ملكة الكل السابق تحديدها قد فتحت لنا ملكوت السماوات)) (ذكصا كانيني الغروب) وكذلك: ((السابق انتخابها من بين الأجيال لسكنى المسيح ملك الكل)) (ذكصا كانيني الأبوستيخون). مقاصد الله في سر تجسد الإبن تتضمن دعوة أزلية لمريم لتكون خادمة لهذا السر.
ولذلك نقرأ في بعض الأعياد المريمة ما ورد عن الحكمة في الاصحاحين الثامن والتاسع من سفر الأمثال. ففي عيد البشارة الذي يشير إلى الملء، إلى تحقيق المواعيد الإلهية قراءة سفر الأمثال تشير إلى أن مقاصد الله اكتملت بقبول العذراء خدمة السر. هذه هي حكمة الله: إيجاد حواء الثانية لتتم بواسطتها خلقتنا الجديدة. وإن أعظم مظهر لحكمة الله، وفق ابن سيراخ، أن تسكن الحكمة في وسط الشعب.
 إن عيدنا الحاضر يبيّن وجهاً من وجوه الحكمة عندما يجعل العذراء هيكلاً لله جديداً. أوضحت الفكرة هذه طروبارية العيد: ((إن الهيكل الكلي النقاوة... اليوم تدخل إلى بيت الرب وتدخل معها النعمة التي بالروح الإلهي فتسبحها ملائكة الله لأنها هي المظلة السماوية)). هذا يتجاوب مع القراءات التي هي محور العيد ومنا نتبيّن معناه. فالقراءة الأولى وهي مصوغة من بعض الاصحاص الأربعين من الخروج تتكلم عن تكريس موسى لمسكن خيمة الاجتماع وتنتهي بقوله: ((ثم غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ مجد الرب المسكن فلم يستطع موسى أن يدخل خيمة الاجتماع لأن السحابة حلت عليها ومجد الرب قد ملأ المسكن)). 
وجليّ أن السحابة رمز لحضرة الله. وانطباق الكلام على مريم في ذهن الكنيسة يشير إلى إيمان هذه بأن السيدة البتول إنما هي مقر لحضرة الله وأن كنيسة العهد الجديد من هذا القبيل كمسكن الله مع الناس تحققت فيها كما ستتحقق كلياً في اليوم الأخير عندما تُقدم الكنيسة العروس للحمل الإلهي. الفكرة نفسها نجدها في القراءة الثانية (3 ملوك 8: 1 – 11) الخاصة بتكريس سليمان للهيكل والمنتهية هكذا: ((وكان لما خرج الكهنة من القدس أن السحاب ملأ بيت الرب ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب لأن مجد الرب ملأ بيت الرب)).
القراءة الثالثة من حزيقال (43: 27 – 44: 5). رؤية باب الهيكل المغلق تنتهي بقوله: ((فنظرت وغذا بمجد الرب قد ملأ بيت الرب)). مريم المسكن فكرة أيّدها إنجيل لوقا عندما قال: ((الروح القس يأتي عليك وقوة العلي تظللك)). فمن لفظة ((شكن)) العبرية وهي سكن بالعربية اشتقت لفظة المسكن الذي تستقر فيه الـ ((شكينا)) أي حضرة الله.
وهذا المصدر العبري نقل إلى التوراة اليونانية بكلمة ((إبيسكازين Episkiazien)) التي استعملها لوقا بقوله ((تظللك)). إن عند لوقا قصد الربط بين مريم ومظلة العهد القديم لأنه استعمل المصدر نفسه في سرده لحادثة التجلي حيث تكلم الصوت عن السحابة المظللة لجسد يسوع (9: 34) وكان هذا جواباً لبطرس الذي أراد ثلاث مظال وكأن البشير يريد أن يقول: لا، المظلة الوحيدة هي التي فوقها السحابة، هي جسد الرب.

مريم المسكن تتطلع إلى سر الميلاد. ولذلك ليس من الغريب أن ترتل للمرة الأولى كاطافاسيات الميلاد في 21 تشرين الثاني فتعاد حتى العيد. وهكذا تهيئنا الكنيسة المقدسة لظهور الله في الجسد منذ ظهور والدته الكلية القداسة في هيكل الله. لقد باشر السيد خدمته في هيكل الدنيا وهو منذ لحظة نشوء ناسوته متكرس لأبيه. من هذا المنظار عيد الدخول هذا عيد للرهبانية لأنها تمثل في الكنيسة، على أكمل وجه، عطاء لا يسترد. هو بالنسبة للجميع عيد تجديد الولاء للمسيح، عيد نستوعب فيه نذر المعمودية وكل عهد ارتبطنا به ضمن عهد الدم المهراق ((عنّا وعن الكثيرين لمغفرة الخطايا)).

تاريخ العيد
يعود ترتيب هذا العيد إلى أواخر القرن السابع أو أوائل القرن الثامن، كما قلنا سابقاً، ويبدو أنه اعتمد في القسطنطينية في القرن الثامن أيام البطريرك طراسيوس. وأقوال بطريركي القسطنطينية جرمانوس وطراسيوس في هذا العيد مأثورة وشهيرة. وقد صنّف له، في القرن التاسع، جاوجيوس النيقوديمي وباسيليوس المكدوني نشائد لا تزال ترتل في الكنيسة إلى يومنا، وهي القانونان الأول والثاني في صلاة السحر. أما سمعان ميتافرست وهو من رجال القرن العاشر فقد قال إن هذا العيد رتّب لأول مرة في القسطنطينية سنة 730.

مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين
كل عام و الجميع بألف خير
سامر يوسف الياس مصلح
بيت ساحور 04/12/2013
آمـيــن.