أرشيف المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات عيد ميلاد يوحنا المعمدان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عيد ميلاد يوحنا المعمدان. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 7 يوليو 2014

عيد ميلاد يوحنا المعمدان

يوحنا المعمدان هو آخر الأنبياء وأول الرسل، وهو موضع تكريم خاص في الكنيسة الأرثوذكسية كنبيٍ، وكمعمِّدٍ وكسابق، ويشغل المكان الأول بعد والدة الإله في اجتماع القدّيسين. ولهذا السبب نرى السابق ووالدة الإله يحيطان بالرب يسوع في إيقونة الشفاعة. وفي تحضير القربان المقدّس، يُذكر القدّيس يوحنا المعمدان بعد والدة الإله، وأيضاً مع القدّيسين في آخر الإستحالة. والأمر كذلك لأن الرب يسوع المسيح شهد بأن يوحنا المعمدان هو "أعظم مواليد النساء" (متى 11:11).
على ذلك يكون تكريم السابق، في الليتورجية الأرثوذكسية، في خط تكريم والدة الإله. وهذا الأخير في خط تكريم السيّد. في هذا السياق نعرض لتكريم السابق في التقليد الليتورجي البيزنطي الذي ما زال التعبير الأفضل للاهوت الكنيسة الأورثوذكسية.

إيقونة الشفاعة

تذكار السابق في الليتورجية
يُذكر يوحنا المعمدان ست مرات في الدورة الليتورجية السنوية في الكنيسة الأرثوذكسية: الحبل به (23 أيلول)، مولده (24 حزيران)، قطع رأسه (29 آب)، أول وثاني ظهور لهامته (24 شباط)، ثالث ظهور لهامته (25 أيار) بالإضافة إلى عيدٍ جامع له (7 كانون الثاني).

دورة السابق

إيقونة الحبل بالسابق

عيد مولد السابق يسبق بستة أشهر عيد ميلاد الرب يسوع المسيح، لأن الإنجيلي لوقا يحدِّد أن بشارة والدة الإله حصلت عندما كانت نسيبة مريم، أي أليصابات، حبلى في شهرها السادس (لو 26:1). في روما حُدِّد ميلاد السيّد المسيح في 25 كانون الأول ليحلَّ محل العيد الوثني لإنقلاب الشتاء (عبادة إله الشمس). عليه عُيّن عيد ميلاد يوحنا المعمدان في 24 حزيران وهو يوم انقلاب الصيف.


هذا التاريخ الذي يبدأ طول النهار فيه بالنقصان هو الأفضل لتذكار سابق المسيح، بحسب إنجيل يوحنا، إذ قال السابق عن نفسه: "ينبغي أنّ ذلك يزيد [المسيح] وأنّي أنا أنقص" (يو 30:3). هذه العلاقة الوثيقة بين العيدَين السيديَّين للبشارة وميلاد المسيح من جهة وعيدَي الحبل بالسابق وميلاده من جهة أخرى أُبرزت سابقاً في الحوليّة الفصحية "Chronique Pascale" على عهد الأمبراطور هيراكليوس (630).


عيد الحبل بالصابغ، الذي يسبق بتسعة أشهر ميلاده، قُدّم إلى 23 أيلول، لتنصير الإحتفال بالأمبراطور أغسطينوس، الذي كان يشير قديماً إلى بداية السنة المدنية ولاحقاً إلى السنة الكنسية. ومع هذا العيد دخلت القراءة الدورية لإنجيل لوقا في الليتورجية البيزنطية الذي وحده يروي قصة الحبل بيوحنا المعمدان وولادته. 

إيقونة قطع رأس السابق
عيد قطع رأس يوحنا المعمدان الذي هو ذكرى استشهاده حُدّد في 29 آب وورد عنه في الأناجيل الثلاثة الإزائية (مت 1:14 – 12؛ مر 17:6 – 29؛ لو 19:3 - 20). هذا التاريخ ذو صلّة بتكريس كنيسة شيّدت في سبسطيا (السامرية) لتحوي رفات القدّيس، على عهد الأمبراطور قسطنطين. تجدر الملاحظة هنا إلى أن عيدي الحبل بالسابق (23 أيلول) وقطع رأسه (29 آب) يمتدّان في السنة الليتورجية البيزنطية بين أيلول وآب، تماماً كعيدي والدة الإله التي ميلادها في 8 أيلول ورقادها في 15 آب.

أعياد تكريم رفات السابق
تكريم رفات السابق كان السبب في إدخال عيد العثور الأول والثاني لهامة السابق في 24 شباط وعيد العثور الثالث لهامته في 25 أيار إلى الليتورجية البيزنطية بالإضافة إلى العيد الجامع للسابق في 7 كانون الثاني.

إيقونة العثور الأول على هامة السابق

هذا ويُستفاد من التقليد أن قبر يوحنا المعمدان كان، في القرن الرابع، في السامرة، موضع إكرام المؤمنين. ثم دكّه يوليانوس الجاحد وبعثر عظامه. لكن بعض المسيحيين تمكّنوا من إنقاذ ما أمكن وأتوا به إلى أورشليم ودفعوه إلى رئيس أحد الديورة واسمه فيليبوس الذي نقل الرفات إلى القدّيس أثناسيوس الإسكندري. غير أن الحج إلى المدفن في سبسطيا استمر بضعة قرون. وثمة تقليد وصل إلى السلافيين يفيد أن حنة، امرأة خوزي، وكيل هيرودوس، التي أمست إحدى حاملات الطيب (لو 24: 10)، كشفت عن رأس السابق المجيد الذي كان مدفوناً في موضع غير لائق، وأخذته سراً إلى أورشليم، إلى جبل الزيتون، حيث وجده فيما بعد رجل من النبلاء صار راهباً .


بعد ذلك بزمن وصل إلى فلسطين راهبان من المشرق بقصد السجود للأماكن المقدّسة. فظهر لهما السابق في حلم الليل، كلاً على حدة، وقال لهما:" توجها إلى قصر هيرودوس فتجدان هامتي تحت الأرض". وإذ قادتهما النعمة الإلهية سهُل عليهما نبش الرأس فشكرا الله وعادا بالهامة من حيت أتيا. في الطريق التقيا فخّارياً من أصل حمصي، كان بائساً وترك موطنه سعياً وراء الرزق. هذا، يبدو أن السابق ظهر له في الحلم. وعلى الأثر خطف الهامة وعاد إلى حمص. هناك تيسّرت أموره ببركة السابق. ولما كان مشرفاً على الموت، جعل الرأس في صندوق وسلّمه إلى شقيقة له، طالباً منها ألا تفتحه إلا بأمر المودع فيه، وان تسلّمه، متى أتت الساعة، إلى رجل تقي يخاف الله. 


إيقونة العثور الثاني على هامة السابق

على هذا النحو انتقلت هامة السابق من شخص لآخر إلى ان وصلت ليد كاهن راهب، اسمه أفسطاتيوس، اتخذ لنفسه منسكاً في مغارة غير بعيدة عن مدينة حمص. عيب هذا الراهب كان انه اعتنق الآريوسية. فلما حضّه الغرور على إثبات نفسه، ادّعى أن الأشفية التي كانت تجري بوفرة بوساطة هامة السابق هي منه هو. ولم يمضِ وقت طويل على أفسطاتيوس حتى بانت هرطقته وسيئاته فطُرد من ذلك الموضع. أما رأس السابق فبقي مواراً في المغارة إلى زمن لاحق حدث فيه ان كان المدعو مركلّوس، وهو راهب تقي، رئيساً لدير بقرب تلك المغارة، في زمن الأمبراطور مرقيانوس (450 - 457 م)، وأسقفية أورانيوس على كنيسة حمص.



في ذلك الزمان، ظهر السابق المجيد لمركلّوس عدّة مرّات وأحبّه وقدّم له إناء من العسل. ثم بعد ذلك قاده إلى زاوية في المغارة. هناك بخّر مركلّوس وباشر بالحفر فبان له الرأس، تحت بلاطة من المرمر، في جرّة. وإن أسقف المحلّة نقله إلى الكنيسة الأساسية في حمص فأضحى للمدينة برمتها نبع بركات وخيرات فيّاضة. هذا دام إلى زمان الأمبراطور ميخائيل الثالث (842 - 867) وبطريرك القسطنطينية القدّيس أغناطيوس حين تمّ نقله إلى المدينة المتملّكة. نَقلُ الهامة الذي جرى يومذاك كان في أساس عيد العثور الأول والثاني لهامة السابق في 24 شباط .


فُقدت الهامة ، مرّة أخرى، في حدود العام 820 م، ربما خشية وقوعها بين أيدي المسلمين. وقد قيل إنها نُقلت إلى كومانا التي سبق أن جرى نفي الذهبي الفم إليها. الوقت، يومذاك، كان وقت الطعن بالإيقونات المقدّسة، وما يمتّ إليها بصلة. هناك، في الأرض، في مكان ما، جرت مواراتها. فلما استُعيد إكرام الإيقونات، مرّة أخرى، حدث، فيما كان القدّيس البطريرك أغناطيوس القسطنطيني قائماً في صلاة الليل، أن عاين، في رؤية، الموضع الذي كانت فيه هامة السابق المجيد مخبّأة. فنقل الخبر إلى الأمبراطور ميخائيل الثالث وأمه ثيودورة. فأوفد الأمبراطور بعثة إلى كومانا لتستطلع الأمر. وبالفعل جرى الكشف عن هامة السابق في المكان المعيَّن. كان ذلك في حدود العام 850 م. على الأثر جرى نقلها إلى القسطنطينية حيث أُودعت إحدى كنائس القصر الملكي وصار يُحتفل بوجودها الثالث في 25 أيار من كل عام.

إيقونة العثور الثالث على هامة السابق

أما العيد الجامع للسابق في 7 كانون الثاني، اليوم التالي لعيد الظهور الإلهي، فقد ثَبُت إثر نقل يد السابق اليمنى من أنطاكية إلى القسطنطينية في عهد الأمبراطورَين قسطنطين السابع البرفيري ورومانوس الثاني ليكابينوس، اليد التي نقلها من أورشليم القدّيس لوقا الإنجيلي.

هامة السابق التي كان يُحتفظ بها في دير القدّيس جاورجيوس في القسطنطينية، سطا عليها الصليبيون أثناء حملتهم على القسطنطينية عام 1204 وهي الأن ضمن كنوز كاتدرائية أميان في فرنسا. أما يده اليمنى فهي مكرّمة اليوم في دير ديونيسيو في جبل آثوس، فيما بيده اليسرى محفوظة في متحف توبكابي في اسطنبول، وهو القصر القديم الذي كان للسلاطين.

السابق في المعزي
في الدورة الليتورجية الأسبوعية، تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بالسابق كل يوم ثلاثاء. يحتوي المعزي على خدمة للسابق خلال غروب الإثنين مساءً وسحر الثلاثاء في كل لحن من الألحان الثمانية. كتب الناظمان الموسيقيان الستوديتيان يوسف وثيودوروس الموسوم، متروبوليت نيصص، قطع القانون في كلٍّ من الألحان في القرن التاسع.


نعرف أن الكنيسة الرئيسية في دير الستوديون كانت مكرّسة للسابق، ولوقت طويل كانت تحتوي على هامة السابق. عليه كان السابق يحظى بتكريم خاص من قبل رهبان الستوديون، تشهد لذلك الترجمة السلافية لتيبيكون ألكسيوس الستوديتي. في هذا التيبيكون يُطلب ترتيل طروبارية القدّيس يوحنا المعمدان في غروب أحد الفريسي والعشّار، وأحد الإبن الشاطر، وكل عيد كبير واقع يوم الأحد.

لهذه الميزّة الأخيرة صلّة بإحتفالات كبيرة في كل أعياد السابق: فقطع رأس السابق في 29 آب كان له خدمة ما قبل العيد وخدمة لبعد العيد، وأحد قبل قطع رأس السابق؛ أما ميلاد يوحنا المعمدان في 24 حزيران فكانت تسبقه خدمة ما قبل العيد وتليه خدمة ما بعد العيد (الخدمة السابقة للعيد تقع في ذكرى تكرّيس الكنيسة ليوحنا السابق)؛ وفي عيد العثور على هامة السابق يُقرأ إنجيل سحر؛ وفي عيده الجامع في 7 كانون الثاني يُحتفل بنقل يده من أنطاكية إلى القسطنطينية عام 956.

لاهوت الخدم الليتورجية الموضوعة لتكريم السابق
بالنظر في النصوص الليتورجية التي كُتبت تكريماً لأعياد يوحنا المعمدان، نستطيع أن يتبيّن معالم صورة السابق في اللاهوت الأرثوذكسي. هنا نعرض تفصيلاً لبعض العبارات المختارة من النظم الموسيقي البيزنطي لهذه الأعياد.


ملاك المسيح
يتكلم النظم الموسيقي البيزنطي عن السابق باعتباره "ملاك المسيح" أو "ملاك الرب". هاتان العبارتان متشابهتان وهما مأخوذتان من اليونانية "" التي تعني ملاكاً ورسولاً، وتذكرنا بنبوءة ملاخيا النبي، الواردة أيضاً في إنجيل متى، حيث يؤكد السيّد:"ها أنا أُرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيّئ طريقك قدّامك" (مل 1:3؛ متى 10:11)، وهو قالها مشيراً إلى يوحنا المعمدان.

هذه النبوءة التي فسّرها المسيح ألهمت ناظمي القطع الموسيقية في الخدم الليتورجية المخصّصة للسابق، وراسمي الإيقونات، الذين صوّروا القدّيس يوحنا المعمدان وله جناحان. وقد علّق "ل. أوسبانسكي" و"ف. لوسكي" (L. Ouspensky & V. Lossky) على هذه الصورة التي تعبّر لا فقط عن وظيفة السابق كمرسَل ليعدّ طريق الرب، بل أيضاً عن كونه نموذجاً للحياة النسكية.


القدّيس جرمانوس القسطنطيني يسأل في نشيده المرتلّ في خدمة 29 آب:
"ماذا ندعوك أيها النبي؟ أملاكاً؟ أم رسولاً؟ أم شهيداً؟ فملاكاً لأنك عشت كمن لا جسم له. ورسولاً لأنك تلمذت الأمم، وشهيداً لأن هامتك قد قُطعت من أجل المسيح. فإليه ابتهل أن يرحم نفوسنا." (أول قطعة من الليتين)

عاش السابق في البرّية يغتذي من الجرّاد والعسل البري (مت 1:3 -4). عاش كـ"ملاك أرضي وإنسان سماوي" (ذكصا الليتين، غروب 24 حزيران). وقد أصبح بذلك نموذجاً للحياة الرهبانية. قال فيه القدّيس صفرونيوس الأورشليمي مادحاً: "لقد افتتح يوحنا المعمدان للبشر إمكانية العيش كالملائكة في الجسد، في البتولية، والنسك، والتأمل". لذلك ليس من المستغرب أن يكون ناظم الموسيقى البيزنطية قد مدح أنطونيوس الكبير، "أب الرهبان"، بـ"أنه ماثل ايليا الغيّور في أحواله، وتبع المعمدان في مناهجه القويمة" (طروبارية القدّيس أنطونيوس الكبير 14 كانون الثاني).

وأيضاً في النظم الموسيقي عنه أنه "الملاك الكارز في الأقطار برسول الرأي العظيم" (المعزي، اللحن الأول، سحر الثلاثاء، الأودية الثامنة، قانون السابق). رسول الرأي العظيم هو الإسم المسيحاني الذي أعطاه أشعياء النبي لعمانوئيل، الله معنا، أي المسيح (اش 6:9 الترجمة السبعينية). الأول هو الملاك المبشِّر بالملاك الثاني. في هذه العبارة نجد تفسيراً للعبارة "ملاك المسيح".

إيليا الجديد

بشارة زخربا النبي

النصوص الليتورجية تظهر لنا السابق كـ"إيليا جديد" (قانون 7 كانون الثاني التابع لخدمة الظهور الإلهي، الأودية السابعة). في الواقع، كان الشعب العبري ينتظر عودة إيليا قبل مجيء المسيح، بحسب نبوءة ملاخي: "ها أنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب، اليوم العظيم المخوف". (مل 23:3).


هذا ما يفسِّر أن البعض، بحسب الرسل، اعتقد أن المسيح هو إيليا (مت 14:16، مر 15:6، 28:8؛ لو 8:9 – 19). بهذا المعنى، وجود إيليا إلى جانب الرب يسوع في التجلي الإلهي له دلالته. من ناحية أخرى، غالباً، عرّف أباء الكنيسة شاهدي الدينونة اللذين سوف يعودان إلى الأرض لإعلان المجيء الثاني للرب يسوع المسيح باعتبارهما إيليا وأخنوخ (رؤ 3:11 – 10).

هذا يعطينا أن نفهم أن الملاك الذي بشّر بالحبل بالسابق قال بالتحديد أن هذا الأخير سوف يتقدّم المسيح "بروح إيليا وقوته" (لو 17:1). في إنجيل متى، يقول لنا المسيح عن يوحنا المعمدان إن "هذا هو إيليا المزمع أن يأتي" (مت 14:11)، وأيضاً "إن إيليا قد عاد" (مت 10:17 – 12). كذلك اتّبع ناظمو الألحان التفسير الذي أعطاه الرب يسوع المسيح في إنجيل متى.

صورة إيليا، على غرار صورة الملاك، ساهمت في جعل السابق نموذجاً للحياة الرهبانية التي هي قبل كل شيء حياة توبة.

الكارز بالتوبة
ناظمو الألحان أشاروا أيضاً إلى أن السابق هو الكارز بالتوبة (قنداق 24 شباط؛ الطروبارية الثانية من الكاثسما بعد الأودية الثالثة في خدمة 25 أيار؛ والقانون الثاني لسحر 24 حزيران للقدّيس أندراوس الكريتي، الأودية الرابعة: الطروبارية الأولى، والأودية الخامسة: الطروبارية الرابعة؛ والغروب الكبير لخدمة 29 آب، الإيذيومالا الأولى من الأبوستيخن؛ وفي مواضع عدة من المعزي). يستندون في ذلك إلى إنجيل متى حيث يقول إن السابق يكرز في بريّة اليهودية، قائلاً: "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات" (مت 2:3). هنا يظهر يوحنا المعمدان فعلاً كسابق للمخلّص الذي بدأ كرازته بالكلام عينه (مت 17:4).

وفي موضع آخر، يروي الإنجيلي متى عن كرزاة يوحنا المعمدان بالتوبة: "الآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجرة. فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيّداً تُقطع وتُلقى في النار". (مت 10:3).

بكلمات الدينونية هذه، يعلن السابق قرب دينونة العالم (يوحنا 31:12). هذه الأقوال للسابق ألهمت كاتبي الإيقونات رسم فأس موضوعة على شجرة في بعض إيقونات يوحنا المعمدان.

وهذه الأقوال عينها سيكرّرها المسيح (مت 19:7). هذا الحدث يشهد مرة أخرى للعلاقة الوثيقة التي تجمع خدمة السابق الرسولية والتدبير الإلهي. وقد علّق عليه الأب سرجيوس بولكاكوف، وهو لاهوتي روسي كبير من القرن العشرين، في أحد الكتب القليلة المكرّسة لشخصية السابق في الكنيسة الأرثوذكسية:

"الحياة والكرازة، في أعمال السابق، تدخلان في تدبير سيدنا يسوع المسيح كتمهيد له، وكجزء منه لا يتجزأ ولا ينفصل، كما دخلت حياة والدة الإله ولكن على نحو خاص مختلف."

مصباح (سراج) النور
ناظمو الموسيقى البيزنطية غالباً ما يتحدثون عن السابق باعتباره "مصباح الشمس" و"مصباح النور" و"مصباح المسيح" و"مصباح الرب (السيّد)" (طروبارية 24 أيلول؛ قانون 24 أيلول للقدّيس يوحنا الدمشقي: في الأودية الثالثة والسادسة؛ قانون 24 حزيران للقدّيس يوحنا الدمشقي: الأودية الخامسة؛ قانون 24 حزيران للقدّيس أندراوس الكريتي: الأودية الخامسة والسادسة؛ قانون 29 آب للقدّيس يوحنا الدمشقي:
الأودية السابعة؛ قانون 29 آب للقدّيس أندراوس الكريتي: الأودية التاسعة؛ وفي مواضع أخرى من أعياد 7 كانون الثاني و25 أيار والألحان الثمانية من المعزي في يوم الثلاثاء المخصّص للسابق).

يعتبرونه أيضاً "الكارز بالنور" (المعزي، اللحن الثامن، سحر الثلاثاء، الطروبارية الثانية من الأودية السابعة التابعة للسابق). كل هذه العبارات تتشابه في قولها إن المسيح السيّد هو الشمس والنور. وتشبيه المسيح بـ"شمس العدل" المرتلة في الموسيقة البيزنطية في عيد ميلاد المسيح، أُخذت من النبوءة المسيحانية لملاخي النبي 2:4 الذي يعلن أنه سوف "تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها".

"هذا هو حمل الله"
في الإنجيل اليوحنائي، يُظهر المسيح نفسَه باعتباره "نور العالم" (يو 12:8) و"النور الحقيقي" (يو 9:1). ويُحدّد يوحنا الإنجيلي أن يوحنا المعمدان كسابق جاء لـ"يشهد للنور" (يو 7:1)، ويوضح في مقدّمته: "لم يكن هو النور بل ليشهد للنور" (يو 8:1). اللاهوت اليوحنائي ألهم ناظمي الموسيقى البيزنطية عن السابق أنه مصباح النور، فبقوا أمناء للاهوته. والواقع أن، المسيح نفسه يقول عن يوحنا المعمدان في يو 35:5 أنه "هو السراج الموقد المنير".


موضوع "المصباح" و"الشمس" قديم، إذ إنه كما ذكرنا آنفاً، دفع الكنيسة في روما لتحديد عيد ميلاد المسيح في 25 كانون الأول، إبتداء من القرن الرابع، حالاً محلّ عيد عبادة الشمس المحدد في يوم انقلاب الشتاء. منذ ذلك الحين، عُيّن عيد ميلاد السابق في 24 حزيران، لا فقط لأنه يكبره بستة أشهر، بل لأن هذا اليوم يقع فيه انقلاب الصيف، الذي يبدأ بعده النهار في الإنتقاص. وقد أخذت الكنيسة في الإعتبار، مرة أخرى، شهادة المعمدان، المذكورة في إنجيل يوحنا: "ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص" (يو 30:3).

صوت الكلمة
تكلّم ناظمو الألحان البيزنطية عن السابق باعتباره "صوت أو بوق الكلمة" (غروب 24 حزيران القطعة الأولى على "يا ربي إليك صرخت" للقدّيس أندراوس الكريتي، وذكصا اللتين، بالإضافة إلى الإيذيومالا الثانية من الأبوستيخن؛ قانون 29 آب للقدّيس أندراوس الكريتي، الأودية التاسعة القطعة الثالثة؛ قانون 25 أيار، الأودية الأولى، القطعة الأولى؛ ومواضع مختلفة من المعزي على الألحان الثمانية في يوم الثلاثاء المخصّص للسابق). هنا لعبوا على مدلول الكلمة ليظهروا من جديد علاقة السابق بالمسيح، المُشار إليه في مدخل الإنجيل الرابع باعتباه "كلمة الله" (يو 1:1). وفي الإنجيل عينه، السابق هو "الصوت الصارخ في البرّية قَوّموا طريق الرب"، في ترداد لما ذُكر قديماً في نبوءة إشعياء النبي (إش 3:40؛ يو 23:1).


هذه التسمية ذات الأصل اليوحنائي تُظهر أن يوحنا المعمدان بما أنه دعي ليكون صوت الكلمة، فقد حُلّ رباط لسان أبيه الذي عُقد لقلّة إيمانه (لو 64:1)، كما وضع السابق حدّاً لظلمة وظلال العهد القديم وهيّأ لمجيء العهد الجديد.

صديق العريس
لقد قدّم ناظمو الألحان البيزنطية السابق باعتباره "صديق العريس" (قانون 23 أيلول للقدّيس يوحنا الدمشقي: الأودية الثامنة، الطروبارية الأولى؛ غروب 24 حزيران، قطع المساء على "يا ربي إليك صرخت": القطعة السابعة؛ المعزي: اللحن الأول، قانون السابق، سحر الثلاثاء، الأودية التاسعة، الطروبارية الثانية). وقد استوحى الأب سرجيوس بولكاكوف عنوان كتابه المكرّس للسابق من هذه العبارة المنقولة من إنجيل يوحنا حيث يقول يوحنا المعمدان:


"أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قلت لست أنا المسيح، بل أني مُرسل أمامه. من له العروس فهو العريس.

أما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فإنه يفرح فرحاً من أجل صوت العريس. إذاً فرحي هذا قد كمل" (يو 28:3 – 29). 

هذا النص يذكرنا بعرس المسيح-العريس والكنيسة-العروس، المصوّر في نشيد الأناشيد، والمرتل في المزمور 44، ويشير إليه الرسول بولس في رسالته إلى أفسس (أف 32:5) كما يتكلّم عنه القدّيس يوحنا في الرؤيا (رؤ 7:19 – 9). موضوع العرس لم يكن عرضي في الإنجيل الرابع، إذ في عرس قانا أعطى الرب يسوع آيته الأولى وأظهر مجده فآمن به تلاميذه (يو 11:2).


الأب سرجيوس بولكاكوف رأى في هذا النص أيضاً، إشارة إلى "نشيد السابق"، وهو ثالث وآخر شهادة ليوحنا المعمدان (الأولى في يو 15:1 والثانية 27:1 – 29)، وقد قال فيه:
"ليس هذا نشيد الأناشيد عن حب العروس لعريسها، بل هو نشيد صديقه. لا يوجد فيه تواضع ينتقص، بل تواضع منتصر بفرح الظفر، إنه ظفر السابق".

يفسّر الأب سرجيوس بولكاكوف أن صديق العريس هو أقرب شخص للعريس، وهو الذي وضع فيه هذا الأخير كل ثقته. إنه صديق العريس الذي يفتش ويجد عروسه ويحضرها ويقدمها للعريس. هكذا، يظهر السابق في الإنجيل الرابع باعتباره الصديق الحميم للمخلّص، الذي يجهز البشرية لقبول الخلاص ويقدّمها للمخلّص. عليه تكون الكنيسة قد قُدّمت عروساً للمسيح-العريس بواسطة دور (كرازة) السابق.

الخاتمة

هذه القراءة السريعة للنظم الموسيقي البيزنطي في أعياد السابق أتاحت لنا الفرصة أن نلاحظ الموقع المهم الذي يحتلّه "أعظم مواليد النساء" في التقليد الليتورجي للكنيسة الأرثوذكسية. لقد جعلنا نقدِّر القرابة القائمة بين النظم الموسيقي والنصوص الإنجيلية، التي استقى منها بوفرة آباء النظم الموسيقي وكل التقليد الذي اتبّعوه. ولا عجب إذاً أن يكون السابق ورفاته موضوع إكرام حار في بيزنطية وكل البلدان المسيحية ذات التقليد البيزنطي.

مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين.
كل عام و أنتم بألف خير
سامر يوسف الياس مصلح
07/07/2014

الخميس، 19 يناير 2012

عيد ميلاد يوحنا المعمدان

يا إخوة، اليوم، في عيد ميلاد يوحنا السابق المجيد، نعيِّد لِمَن شهد له ربنا بأنه أعظم مواليد النساء وأكثر من نبي. عظمة يوحنا هي في كونه سابقاً للمسيح، أي هو مرسَل من الله لكي يهيئ طريقه قدّامه. يوحنا الإسم مختصر يوحنَّان، الذي معناه يهوه حنون أو الله حنون. ويوحنا كان ثمرة ولادة شيخين تجاوَزا زمن الولادة الطبيعية. يقول إنجيل اليوم عن زخريا وأليصابات أنهما كانا بارَّين أمام الله سائرَين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم. بكلام آخر كانا مَرْضيَّين لله بصورة كاملة. وإذا كان ربنا قد شاء ليوحنا أن يولد بعدما تجاوز زخريا وأليصابات زمن الولادة، فلكي نعرف أن يوحنا هو ثمرة النعمة وليس فقط ثمرة الطبيعة.




إذا كان للجسد خصبٌ، فالروح مُخصِبٌ أكثر بكثير. والله يجعلنا دائماً نتجاوز ما هو من حدود الطبيعة قبلما يتجلى في حياتنا، وذلك لكي نعرف كيف نميِّز بين ما هو لله وما هو للطبيعة البشرية. زخريا وأليصابات كِلاهما من سلالة كهنوتية. والكهنوت عند اليهود له غرض واحد أساسي هو تقديم الذبائح والتَّقدمات في الهيكل. وقد كانت لديهم تَقْسيماتُهم للكهنوت. إحدى القبائل التي هي قبيلة لاوي هي التي كان خرج منها الكهنة. وكان الكهنة، قبل السَّبي إلى بابل، مقسومين إلى أربعة وعشرين فرقة، يتناوبون. وقد كان زخريا من الفرقة الثامنة التي هي فرقة أبيّا. فحين عاد الشعب العبري من بابل تَقَلَّصت الفِرق الكهنوتية إلى عدة فِرَق، وكانت فرقة أبيا من بين الفرق التي بقيت.


يوحنا وُلِدَ قبل الرب يسوع المسيح بستة أشهر. وأليصابات كانت نسيبة مريم، كما نعرف من النص الكتابي. ونعرف كذلك أنه لمّا كانت أليصابات حاملاً بيوحنا، ذهبت مريم إليها وبقيت عندها حوالي ثلاثة أشهر، وكانت مريم حبلى من الروح القدس بالرب يسوع المسيح.

فلمّا وقع نظر أليصابات على مريم، كما يقول النص الكتابي:"ارتكض الجنين في بطنها"، أي تحرَّك بطريقة فيها فرح، وكأنّ روح الرب نزل إلى أحشاء أليصابات وعَبَّرَ الجنين عن فرحه بهذه الطريقة. هناك أيقونة لا تزال مستعملة إلى اليوم، لكن يبدو أنها تعود إلى القرن الثاني عشر، هذه تصوِّر زيارة مريم لأليصابات. يصوَّر في حشا مريم الربُ يسوع وفي حشا أليصابات يوحنا. الغريب أنَّ يوحنا، في الأيقونة، ساجدٌ في حشا أمه للرب يسوع في حشا مريم.


إذاً، يوحنا كانت يد الرب عليه منذ الحبل به. هو مختار الله. وأولاد النعمة هم دائماً أنبياءُ لله. نحن الذين وُلدنا بالماء والروح أُعطينا أن نصير أمَّة كهنة وأنبياء. النعمة الإلهية إذاً هي التي جعلت من يوحنا نبيّاً وكاهناً في نفس الوقت. أنْبَأ بكلام الله، وأعَدَّ الطريق لمجيء مسيح الرب. وفي نفس الوقت، لأنه كان من سلالة كهنوتية، كان كاهناً إلا أنه بدل أن يقدِّم ذبائح في الهيكل اليهودي، قّدَّم نفسَه ذبيحةً.


بهذا المعنى، صار هناك انتقال، في شخص يوحنا المعمدان، من الكهنوت القديم إلى الكهنوت الجديد. الكهنوت القديم كانت فيه ساريةً تقدمة الذبائح الحيوانية. أما الكهنوت الجديد فيجعل كلَّ المؤمنين كهنةً يقدِّمون أنفسهم ذبائحَ لله. هذا يحقِّق قول الرسول بولس أننا:"إنْ عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت، فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن." لاحِظوا أنّ النبوّة في المسيح مرتبطة بتقديم النبي نفسَه ذبيحةً لله.


إذا لم يكن كلُّ واحد من المؤمنين مستعداً لأن يموت من أجل يسوع، فمستحيلٌ عليه أن يكون لساناً لله وأن يتكلم بالإلهيات. لهذا السبب، المقدّمون عندنا، في كنيسة المسيح، هم الشهداء الذين قرَّبوا أنفسَهم ذبائح على مذبح محبة الله. هؤلاء هم النموذج بالنسبة إلينا. وكل القدّيسين الآخرين شهداء على منوال هؤلاء الشهداء بطريقة أو بأخرى.

إذاً، يوحنا كان هذا الرّابط الذي رَبَطَ ما بين العهد القديم والعهد الجديد، ما بين النبوءة في العهد القديم والنبوءة في العهد الجديد، ما بين الكهنوت القديم والكهنوت الجديد. وكما قلت، كانت يد ربنا على يوحنا منذ البدء وحتى الأخير. كذلك نعرف من النص الإنجيلي الذي تُلِيَ على مسامعنا أنّ يوحنا كان ينمو ويتقوّى بالروح، منذ الطفولية. فلمّا كَبُرَ قليلاً خرج إلى البراري، إلى برية اليهودية، وبقي هناك إلى يوم ظهوره لإسرائيل.


بحسب الدراسات، قبل أن يظهر يوحنا لإسرائيل أي قبل أن يباشر مهمّة التعميد وإعداد الشعب لمجيء مسيح الرب، كان يعيش في محيط البحر الميِّت. ويقال أنه انضمّ إلى جماعة يهودية طُهرِيّة، تدعى جماعة الآسينيّين، كانت تعيش هناك. هؤلاء كانوا بمثابة رهبان يهود. كانوا يمتنعون عن الزواج وكان يهمُّهم أن يتنقّوا أمام الله، وتعاطوا، فيما يبدو، نوعاً من أنواع الغسل أو المعمودية. كانوا يغتسلون ويعتمدون كل يوم ليتنقَّوا من خطاياهم ومن رجاساتهم أمام الله. ويُظنّ أن يوحنا المعمدان استمدَّ فكرة المعمودية من هذه الجماعة التي عايَشها ردحاً من الزمان.


فلمّا صار مستعداً لأن يخرج إلى إسرائيل، أخذ يعمِّد. كان يعمِّد في نهر الأردن. ومهمّتُه، كما حَدَّدَها له ملاك الرب، كانت أن يردَّ قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى حكمة الأبرار ويهَيء للرب شعباً مستعداً. فكان يدعو الناس إلى الإغتسال مرّة واحدة. طالبهم بأن يأتوا مقرّين بخطاياهم، حتى باعترافهم بها يتهيَّأون لمجيء المسيح الآتي، الذي كان مزمعاً أن يعمِّدهم بالماء والروح. معمودية يوحنا كانت لمغفرة الخطايا، أما معمودية يسوع فكانت لولادة جديدة لملكوت السماوات بالماء والروح. يوحنا، فيما يبدو، كان من جهة ما هو لله قاطعاً كالسيف، أي لم يكن عنده ما يُدعى مساومة. لم يكن يساوم إطلاقاً على ما هو لله. ينبغي لديه أن يُطاع الله أولاً. لهذا السبب دخل في صراع مع الملك هيرودس أنتيباس الذي كان على اليهودية.


والمقصود باليهودية أورشليم وما حولها. فهيرودس أنتيباس كان متزوِّجاً من امرأة عربية، هي ابنة الحارث، الملك المعروف في ذلك الزمان. لكنها لم تكن تعجبه فأرسلها إلى أبيها، وخطف زوجة أخيه فيلبس. فيلبس كان أخاه من جهة أبيه. كان هذا متزوجاً من امرأة تدعى هيروديا. هذه المرأة كانت لها ابنة صبية تدعى سالومة. فهيرودس أنتيباس أخذ زوجة أخيه وعاش معها بخلاف الشريعة.


في الأساس، هيرودس الكبير وأولاده أي هيرودس أنتيباس وهيرودس فيلبس وغيرهما ما كانوا من جنس اليهود بل من شعب آخر يدعى الشعب الآدومي، يعيش في جنوبي اليهودية. ثم، في وقت من الأوقات، فُرِضَ عليهم أن يصيروا يهوداً، وأن يقتبلوا اليهودية ديناً، لكن يبدو أنهم ما كانوا رصينين في اتِّباع الديانة الجديدة. لهذا السبب لم يكن هيرودس أنتيباس مكترثاً للديانة اليهودية والشريعة الموسوية، لذا عاش في الزنى. وكان يوحنا يقول له دائماً أنه لا يجوز أن تكون لك امرأة أخيك. هذا مخالف للشريعة. كان يُبَكتَّه بصورة دائمة.


وهيرودس حقد عليه. في الوقت نفسه كان هيرودس يخاف يوحنا ويحترمه، لأنه كان يسمعه أحياناً وينبسط من كلامه. لكن لأنه كان يعيش في الخطيئة ولم يكن مستعداً لأن يتخلى عنها، كانت في نفسه مشاعر متضاربة تجاه يوحنا. لهذا جعله في السجن إلى وقت آخر، إذ لم يكن عارفاً بعد ماذا سيصنع به. لكن هيروديا زوجة هيرودس أنتيباس بالزنى كانت حاقدة على يوحنا وأرادت أن تتخلص منه.

يوحنا سُجن في قلعة قريبة من البحر الميت مطلّة على مياهه. ويبدو أنه كان يتوقع نوعاً من التّدخُّل الإلهي، لأنه كان يحسّ بأنَّ هناك ظلماً واقعاً عليه. ثم في وقت من الأوقات ضعُف وهو في السجن، فأرسل تلميذين من تلاميذه إلى يسوع ليسألوه:"أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر". لاحِظوا أن يوحنا العظيم مرَّ بأوقات كان فيها ضعيفاً. هذا لكي نعرف أنَّ قوَّة الإنسان من عند الله الذي صنع السماء والأرض. لا أحد منا قوياً. القوي هو الشّداي، هو الله، هو وحده الصنديد. كل إنسان ضعيف. وبولس يقول كلاماً جميلاً في عمل قوة الله من خلال ضعف الناس.


يقول:"أفتخر بالحري بضعفي، لكي تحلَّ عليَّ قوة المسيح". يوحنا، طبعاً، لم يكن لِيُلام لأنه كان ضعيفاً. بالعكس تَرَكه ربُّنا يشعر بضعفه لأنه أحَبَّه ولأنه أراد لنعمته أن تفعل فيه. لا أحد منا قوياً على الإطلاق. كل واحد منا يمرّ بأوقات يختبر فيها الضعف وأحياناً منتهى الضعف، لا سيما لحظة الموت. وهذا كله بَرَكة من عند الله حتى نتعلم أن نُلقي بأنفسنا بصورة كاملة بين يدي الله الحي. لماذا أبقى ربُّنا على الموت، وهو القادر أن يلغيه؟ الله أبقى على الموت لخير البشرية. لأنه ليست هناك لحظة كلحظة الموت تعطي الإنسان أن يختبر الضعف البشري. حين يختبر الإنسان ضعفه كما هو، يتحرّر من أوهامه.


إذ ذاك فقط يلتفت بصورة كاملة إلى الرب الإلهِ ليَسْتقوي به. تعلمون أنَّ آخر كلمة تَفَوَه بها الرب يسوع على الصليب كانت:"في يديك أستودع روحي". وكان يخاطب الآب السماوي. هذا هو التعبير الأمْثل عن الإيمان بالله، لأن الأيمان بالله، في العمق، هو أن نستودع أنفسنا بين يدي الله الحي، أن نلقي بأنفسنا لديه بالكامل. طالما الإنسان على قيد الحياة، فلا بدّ له أن يشعر أحياناً بشيء من الضعف وأحياناً بشيء من القوّة، لكنّه لا يُسلِم نفسه بالكامل إلى الله إلى أن تأتي ساعة الموت. لهذا السبب كثيرون يتحقّق إيمانهم بالله وهم على فراش الموت.

بهذا المعنى، حين نصلّي نطلب من الله أن يُبعد عنا الموت الفجائي، لأنّنا ننظر دائماً إلى تلك اللحظة، لحظة الموت، من حيث إنّها تعطينا أن نختبر ضعفنا، كما تعطينا، في آن معاً، أن نلقي بأنفسنا بين يديه محقِّقين الإيمان بيسوع تحقيقاً كاملاً.

عَظَمة يوحنّا، كما قلت، هي في أنّه قدَّم رأسه على طبق. كان مستعداً لأن يموت لأجل يسوع. لهذا كان كلامه قوياً وكان يشهد للحقّ. الحقّ في هذه الدنيا مخيف جداً، لكن مَن يقولون الحقّ ويشهدون للحقّ هم ضعفاء جداً من جهة ما لأنفسهم، لأنّهم يتقوَّون بقوّة الله وحدها. إذا كانوا أقوياء في قول الحقّ، فلأنّ الله هو الذي يعطيهم هذه القوّة. في نفس الوقت، الذين يشهدون الحقّ، في هذه الدنيا، هم خراف، ولا بدّ لهم أن يُذبَحوا. المسيح ذُبِح لأنّه الحقّ. وكل مَن يتحدّث بالحقّ في هذه الدنيا مصيره كمعلّمه.


"لأنّه ليس تلميذ افضل من معلّمه، إنْ كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم أنتم أيضاً". لذلك كل رجال الله وكل نساء الله في التاريخ، في سلوكهم بالأمانة لله، كانوا يبذلون أنفسهم الواحد تلو الآخر. الأنبياء، لأنّهم ينطقون بالإلهيات، يُضطهَدون. الناس في اكثر الأحيان يطلبون ما هو لشهواتهم ولا يهمّهم أن يسمعوا كلمة الحقّ. بالعكس، مَن يتكلّم بالحقّ يضطهده أكثر الناس في هذه الدنيا. حتى أبناء الكنيسة، أبناء كنيسة المسيح، ثمّة قسم كبير منهم لا يحبّ الحقّ، بل يريد الباطل ويريد أن يستعبد الحقّ لباطله. يريدون الكهنة أن يتكلّموا بالكلام الذي يرضي الأقوياء في هذه الدنيا.


أما نحن، فإذا أردنا أن نكون يوحنّائيّين، فلا بدّ لنا من أن نكون مستعدّين لأن نقدِّم رؤوسنا ذبائح لله، حتى يبقى الحقّ في هذه الدنيا ساطعاً. يوم يموت الحقّ تزول البشرية. في الأزمنة الأخيرة يقلّ الحقّ. الله كان واضحاً في قوله: "متى جاء ابن الإنسان فهل يجد الإيمان على الأرض". إلى هذه الدرجة يصير الحقّ مرذولاً في الزمان الأخير ويصير العدل مُداساً والإيمان قليلاً، والمحبّة تضعف.


محبّو الحقّ يصيرون قليلين جداً. لهذا يقول القدّيس يوحنّا الذهبي الفم إن الإيمان، في الزمن الأخير، يضعف لدرجة أنّه يكفي الإنسان أن يقول من كل قلبه: "يا ربّ ارحم"، حتى يُحصى في عداد كبار القدّيسين. كلّما تقدّم الزمن، كلّما صار الحال أردأ لا بدّ للإيمان من أن يضعف. هذه واقعة سبق للربّ يسوع ولرسله أن تكلّموا عليها. المهم أن يحفظ كل منا الأمانة إلى المنتهى، حتى يبقى الحقّ ساطعاً وحتى نبقى نحدِّث بما فعله يوحنّا حين كان سابقاً للمسيح. كلّنا بالشهادة ليسوع نكون سابقين للمسيح، نُعِدُّ الآخرين للمجيء إلى يسوع. هذه شهادتنا وهذا مصيرنا!



مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين

كل عام و الجميع بألف خير
سامر يوسف الياس مصلح

بيت ساحور 20/01/2012

الأربعاء، 6 يوليو 2011

عيد ميلاد يوحنا المعمدان

يوحنا المعمدان هو آخر الأنبياء وأول الرسل، وهو موضع تكريم خاص في الكنيسة الأرثوذكسية كنبيٍ، وكمعمِّدٍ وكسابق، ويشغل المكان الأول بعد والدة الإله في اجتماع القدّيسين. ولهذا السبب نرى السابق ووالدة الإله يحيطان بالرب يسوع في إيقونة الشفاعة. وفي تحضير القربان المقدّس، يُذكر القدّيس يوحنا المعمدان بعد والدة الإله، وأيضاً مع القدّيسين في آخر الإستحالة. والأمر كذلك لأن الرب يسوع المسيح شهد بأن يوحنا المعمدان هو "أعظم مواليد النساء" (متى 11:11).
على ذلك يكون تكريم السابق، في الليتورجية الأرثوذكسية، في خط تكريم والدة الإله. وهذا الأخير في خط تكريم السيّد. في هذا السياق نعرض لتكريم السابق في التقليد الليتورجي البيزنطي الذي ما زال التعبير الأفضل للاهوت الكنيسة الأورثوذكسية.

إيقونة الشفاعة



تذكار السابق في الليتورجية
يُذكر يوحنا المعمدان ست مرات في الدورة الليتورجية السنوية في الكنيسة الأرثوذكسية: الحبل به (23 أيلول)، مولده (24 حزيران)، قطع رأسه (29 آب)، أول وثاني ظهور لهامته (24 شباط)، ثالث ظهور لهامته (25 أيار) بالإضافة إلى عيدٍ جامع له (7 كانون الثاني).

دورة السابق

إيقونة الحبل بالسابق

عيد مولد السابق يسبق بستة أشهر عيد ميلاد الرب يسوع المسيح، لأن الإنجيلي لوقا يحدِّد أن بشارة والدة الإله حصلت عندما كانت نسيبة مريم، أي أليصابات، حبلى في شهرها السادس (لو 26:1). في روما حُدِّد ميلاد السيّد المسيح في 25 كانون الأول ليحلَّ محل العيد الوثني لإنقلاب الشتاء (عبادة إله الشمس). عليه عُيّن عيد ميلاد يوحنا المعمدان في 24 حزيران وهو يوم انقلاب الصيف.


هذا التاريخ الذي يبدأ طول النهار فيه بالنقصان هو الأفضل لتذكار سابق المسيح، بحسب إنجيل يوحنا، إذ قال السابق عن نفسه: "ينبغي أنّ ذلك يزيد [المسيح] وأنّي أنا أنقص" (يو 30:3). هذه العلاقة الوثيقة بين العيدَين السيديَّين للبشارة وميلاد المسيح من جهة وعيدَي الحبل بالسابق وميلاده من جهة أخرى أُبرزت سابقاً في الحوليّة الفصحية "Chronique Pascale" على عهد الأمبراطور هيراكليوس (630).



عيد الحبل بالصابغ، الذي يسبق بتسعة أشهر ميلاده، قُدّم إلى 23 أيلول، لتنصير الإحتفال بالأمبراطور أغسطينوس، الذي كان يشير قديماً إلى بداية السنة المدنية ولاحقاً إلى السنة الكنسية. ومع هذا العيد دخلت القراءة الدورية لإنجيل لوقا في الليتورجية البيزنطية الذي وحده يروي قصة الحبل بيوحنا المعمدان وولادته.

إيقونة قطع رأس السابق

عيد قطع رأس يوحنا المعمدان الذي هو ذكرى استشهاده حُدّد في 29 آب وورد عنه في الأناجيل الثلاثة الإزائية (مت 1:14 – 12؛ مر 17:6 – 29؛ لو 19:3 - 20). هذا التاريخ ذو صلّة بتكريس كنيسة شيّدت في سبسطيا (السامرية) لتحوي رفات القدّيس، على عهد الأمبراطور قسطنطين. تجدر الملاحظة هنا إلى أن عيدي الحبل بالسابق (23 أيلول) وقطع رأسه (29 آب) يمتدّان في السنة الليتورجية البيزنطية بين أيلول وآب، تماماً كعيدي والدة الإله التي ميلادها في 8 أيلول ورقادها في 15 آب.

أعياد تكريم رفات السابق
تكريم رفات السابق كان السبب في إدخال عيد العثور الأول والثاني لهامة السابق في 24 شباط وعيد العثور الثالث لهامته في 25 أيار إلى الليتورجية البيزنطية بالإضافة إلى العيد الجامع للسابق في 7 كانون الثاني.

إيقونة العثور الأول على هامة السابق

هذا ويُستفاد من التقليد أن قبر يوحنا المعمدان كان، في القرن الرابع، في السامرة، موضع إكرام المؤمنين. ثم دكّه يوليانوس الجاحد وبعثر عظامه. لكن بعض المسيحيين تمكّنوا من إنقاذ ما أمكن وأتوا به إلى أورشليم ودفعوه إلى رئيس أحد الديورة واسمه فيليبوس الذي نقل الرفات إلى القدّيس أثناسيوس الإسكندري. غير أن الحج إلى المدفن في سبسطيا استمر بضعة قرون. وثمة تقليد وصل إلى السلافيين يفيد أن حنة، امرأة خوزي، وكيل هيرودوس، التي أمست إحدى حاملات الطيب (لو 24: 10)، كشفت عن رأس السابق المجيد الذي كان مدفوناً في موضع غير لائق، وأخذته سراً إلى أورشليم، إلى جبل الزيتون، حيث وجده فيما بعد رجل من النبلاء صار راهباً .



بعد ذلك بزمن وصل إلى فلسطين راهبان من المشرق بقصد السجود للأماكن المقدّسة. فظهر لهما السابق في حلم الليل، كلاً على حدة، وقال لهما:" توجها إلى قصر هيرودوس فتجدان هامتي تحت الأرض". وإذ قادتهما النعمة الإلهية سهُل عليهما نبش الرأس فشكرا الله وعادا بالهامة من حيت أتيا. في الطريق التقيا فخّارياً من أصل حمصي، كان بائساً وترك موطنه سعياً وراء الرزق. هذا، يبدو أن السابق ظهر له في الحلم. وعلى الأثر خطف الهامة وعاد إلى حمص. هناك تيسّرت أموره ببركة السابق. ولما كان مشرفاً على الموت، جعل الرأس في صندوق وسلّمه إلى شقيقة له، طالباً منها ألا تفتحه إلا بأمر المودع فيه، وان تسلّمه، متى أتت الساعة، إلى رجل تقي يخاف الله.

إيقونة العثور الثاني على هامة السابق

على هذا النحو انتقلت هامة السابق من شخص لآخر إلى ان وصلت ليد كاهن راهب، اسمه أفسطاتيوس، اتخذ لنفسه منسكاً في مغارة غير بعيدة عن مدينة حمص. عيب هذا الراهب كان انه اعتنق الآريوسية. فلما حضّه الغرور على إثبات نفسه، ادّعى أن الأشفية التي كانت تجري بوفرة بوساطة هامة السابق هي منه هو. ولم يمضِ وقت طويل على أفسطاتيوس حتى بانت هرطقته وسيئاته فطُرد من ذلك الموضع. أما رأس السابق فبقي مواراً في المغارة إلى زمن لاحق حدث فيه ان كان المدعو مركلّوس، وهو راهب تقي، رئيساً لدير بقرب تلك المغارة، في زمن الأمبراطور مرقيانوس (450 - 457 م)، وأسقفية أورانيوس على كنيسة حمص.



في ذلك الزمان، ظهر السابق المجيد لمركلّوس عدّة مرّات وأحبّه وقدّم له إناء من العسل. ثم بعد ذلك قاده إلى زاوية في المغارة. هناك بخّر مركلّوس وباشر بالحفر فبان له الرأس، تحت بلاطة من المرمر، في جرّة. وإن أسقف المحلّة نقله إلى الكنيسة الأساسية في حمص فأضحى للمدينة برمتها نبع بركات وخيرات فيّاضة. هذا دام إلى زمان الأمبراطور ميخائيل الثالث (842 - 867) وبطريرك القسطنطينية القدّيس أغناطيوس حين تمّ نقله إلى المدينة المتملّكة. نَقلُ الهامة الذي جرى يومذاك كان في أساس عيد العثور الأول والثاني لهامة السابق في 24 شباط .



فُقدت الهامة ، مرّة أخرى، في حدود العام 820 م، ربما خشية وقوعها بين أيدي المسلمين. وقد قيل إنها نُقلت إلى كومانا التي سبق أن جرى نفي الذهبي الفم إليها. الوقت، يومذاك، كان وقت الطعن بالإيقونات المقدّسة، وما يمتّ إليها بصلة. هناك، في الأرض، في مكان ما، جرت مواراتها. فلما استُعيد إكرام الإيقونات، مرّة أخرى، حدث، فيما كان القدّيس البطريرك أغناطيوس القسطنطيني قائماً في صلاة الليل، أن عاين، في رؤية، الموضع الذي كانت فيه هامة السابق المجيد مخبّأة. فنقل الخبر إلى الأمبراطور ميخائيل الثالث وأمه ثيودورة. فأوفد الأمبراطور بعثة إلى كومانا لتستطلع الأمر. وبالفعل جرى الكشف عن هامة السابق في المكان المعيَّن. كان ذلك في حدود العام 850 م. على الأثر جرى نقلها إلى القسطنطينية حيث أُودعت إحدى كنائس القصر الملكي وصار يُحتفل بوجودها الثالث في 25 أيار من كل عام.

إيقونة العثور الثالث على هامة السابق

أما العيد الجامع للسابق في 7 كانون الثاني، اليوم التالي لعيد الظهور الإلهي، فقد ثَبُت إثر نقل يد السابق اليمنى من أنطاكية إلى القسطنطينية في عهد الأمبراطورَين قسطنطين السابع البرفيري ورومانوس الثاني ليكابينوس، اليد التي نقلها من أورشليم القدّيس لوقا الإنجيلي.


هامة السابق التي كان يُحتفظ بها في دير القدّيس جاورجيوس في القسطنطينية، سطا عليها الصليبيون أثناء حملتهم على القسطنطينية عام 1204 وهي الأن ضمن كنوز كاتدرائية أميان في فرنسا. أما يده اليمنى فهي مكرّمة اليوم في دير ديونيسيو في جبل آثوس، فيما بيده اليسرى محفوظة في متحف توبكابي في اسطنبول، وهو القصر القديم الذي كان للسلاطين.


السابق في المعزي
في الدورة الليتورجية الأسبوعية، تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بالسابق كل يوم ثلاثاء. يحتوي المعزي على خدمة للسابق خلال غروب الإثنين مساءً وسحر الثلاثاء في كل لحن من الألحان الثمانية. كتب الناظمان الموسيقيان الستوديتيان يوسف وثيودوروس الموسوم، متروبوليت نيصص، قطع القانون في كلٍّ من الألحان في القرن التاسع.


نعرف أن الكنيسة الرئيسية في دير الستوديون كانت مكرّسة للسابق، ولوقت طويل كانت تحتوي على هامة السابق. عليه كان السابق يحظى بتكريم خاص من قبل رهبان الستوديون، تشهد لذلك الترجمة السلافية لتيبيكون ألكسيوس الستوديتي. في هذا التيبيكون يُطلب ترتيل طروبارية القدّيس يوحنا المعمدان في غروب أحد الفريسي والعشّار، وأحد الإبن الشاطر، وكل عيد كبير واقع يوم الأحد.

لهذه الميزّة الأخيرة صلّة بإحتفالات كبيرة في كل أعياد السابق: فقطع رأس السابق في 29 آب كان له خدمة ما قبل العيد وخدمة لبعد العيد، وأحد قبل قطع رأس السابق؛ أما ميلاد يوحنا المعمدان في 24 حزيران فكانت تسبقه خدمة ما قبل العيد وتليه خدمة ما بعد العيد (الخدمة السابقة للعيد تقع في ذكرى تكرّيس الكنيسة ليوحنا السابق)؛ وفي عيد العثور على هامة السابق يُقرأ إنجيل سحر؛ وفي عيده الجامع في 7 كانون الثاني يُحتفل بنقل يده من أنطاكية إلى القسطنطينية عام 956.

لاهوت الخدم الليتورجية الموضوعة لتكريم السابق
بالنظر في النصوص الليتورجية التي كُتبت تكريماً لأعياد يوحنا المعمدان، نستطيع أن يتبيّن معالم صورة السابق في اللاهوت الأرثوذكسي. هنا نعرض تفصيلاً لبعض العبارات المختارة من النظم الموسيقي البيزنطي لهذه الأعياد.



ملاك المسيح
يتكلم النظم الموسيقي البيزنطي عن السابق باعتباره "ملاك المسيح" أو "ملاك الرب". هاتان العبارتان متشابهتان وهما مأخوذتان من اليونانية "" التي تعني ملاكاً ورسولاً، وتذكرنا بنبوءة ملاخيا النبي، الواردة أيضاً في إنجيل متى، حيث يؤكد السيّد:"ها أنا أُرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيّئ طريقك قدّامك" (مل 1:3؛ متى 10:11)، وهو قالها مشيراً إلى يوحنا المعمدان.

هذه النبوءة التي فسّرها المسيح ألهمت ناظمي القطع الموسيقية في الخدم الليتورجية المخصّصة للسابق، وراسمي الإيقونات، الذين صوّروا القدّيس يوحنا المعمدان وله جناحان. وقد علّق "ل. أوسبانسكي" و"ف. لوسكي" (L. Ouspensky & V. Lossky) على هذه الصورة التي تعبّر لا فقط عن وظيفة السابق كمرسَل ليعدّ طريق الرب، بل أيضاً عن كونه نموذجاً للحياة النسكية.


القدّيس جرمانوس القسطنطيني يسأل في نشيده المرتلّ في خدمة 29 آب:
"ماذا ندعوك أيها النبي؟ أملاكاً؟ أم رسولاً؟ أم شهيداً؟ فملاكاً لأنك عشت كمن لا جسم له. ورسولاً لأنك تلمذت الأمم، وشهيداً لأن هامتك قد قُطعت من أجل المسيح. فإليه ابتهل أن يرحم نفوسنا." (أول قطعة من الليتين)

عاش السابق في البرّية يغتذي من الجرّاد والعسل البري (مت 1:3 -4). عاش كـ"ملاك أرضي وإنسان سماوي" (ذكصا الليتين، غروب 24 حزيران). وقد أصبح بذلك نموذجاً للحياة الرهبانية. قال فيه القدّيس صفرونيوس الأورشليمي مادحاً: "لقد افتتح يوحنا المعمدان للبشر إمكانية العيش كالملائكة في الجسد، في البتولية، والنسك، والتأمل". لذلك ليس من المستغرب أن يكون ناظم الموسيقى البيزنطية قد مدح أنطونيوس الكبير، "أب الرهبان"، بـ"أنه ماثل ايليا الغيّور في أحواله، وتبع المعمدان في مناهجه القويمة" (طروبارية القدّيس أنطونيوس الكبير 14 كانون الثاني).

وأيضاً في النظم الموسيقي عنه أنه "الملاك الكارز في الأقطار برسول الرأي العظيم" (المعزي، اللحن الأول، سحر الثلاثاء، الأودية الثامنة، قانون السابق). رسول الرأي العظيم هو الإسم المسيحاني الذي أعطاه أشعياء النبي لعمانوئيل، الله معنا، أي المسيح (اش 6:9 الترجمة السبعينية). الأول هو الملاك المبشِّر بالملاك الثاني. في هذه العبارة نجد تفسيراً للعبارة "ملاك المسيح".


إيليا الجديد

بشارة زخربا النبي

النصوص الليتورجية تظهر لنا السابق كـ"إيليا جديد" (قانون 7 كانون الثاني التابع لخدمة الظهور الإلهي، الأودية السابعة). في الواقع، كان الشعب العبري ينتظر عودة إيليا قبل مجيء المسيح، بحسب نبوءة ملاخي: "ها أنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب، اليوم العظيم المخوف". (مل 23:3).

هذا ما يفسِّر أن البعض، بحسب الرسل، اعتقد أن المسيح هو إيليا (مت 14:16، مر 15:6، 28:8؛ لو 8:9 – 19). بهذا المعنى، وجود إيليا إلى جانب الرب يسوع في التجلي الإلهي له دلالته. من ناحية أخرى، غالباً، عرّف أباء الكنيسة شاهدي الدينونة اللذين سوف يعودان إلى الأرض لإعلان المجيء الثاني للرب يسوع المسيح باعتبارهما إيليا وأخنوخ (رؤ 3:11 – 10).

هذا يعطينا أن نفهم أن الملاك الذي بشّر بالحبل بالسابق قال بالتحديد أن هذا الأخير سوف يتقدّم المسيح "بروح إيليا وقوته" (لو 17:1). في إنجيل متى، يقول لنا المسيح عن يوحنا المعمدان إن "هذا هو إيليا المزمع أن يأتي" (مت 14:11)، وأيضاً "إن إيليا قد عاد" (مت 10:17 – 12). كذلك اتّبع ناظمو الألحان التفسير الذي أعطاه الرب يسوع المسيح في إنجيل متى.

صورة إيليا، على غرار صورة الملاك، ساهمت في جعل السابق نموذجاً للحياة الرهبانية التي هي قبل كل شيء حياة توبة.

الكارز بالتوبة
ناظمو الألحان أشاروا أيضاً إلى أن السابق هو الكارز بالتوبة (قنداق 24 شباط؛ الطروبارية الثانية من الكاثسما بعد الأودية الثالثة في خدمة 25 أيار؛ والقانون الثاني لسحر 24 حزيران للقدّيس أندراوس الكريتي، الأودية الرابعة: الطروبارية الأولى، والأودية الخامسة: الطروبارية الرابعة؛ والغروب الكبير لخدمة 29 آب، الإيذيومالا الأولى من الأبوستيخن؛ وفي مواضع عدة من المعزي). يستندون في ذلك إلى إنجيل متى حيث يقول إن السابق يكرز في بريّة اليهودية، قائلاً: "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات" (مت 2:3). هنا يظهر يوحنا المعمدان فعلاً كسابق للمخلّص الذي بدأ كرازته بالكلام عينه (مت 17:4).

وفي موضع آخر، يروي الإنجيلي متى عن كرزاة يوحنا المعمدان بالتوبة: "الآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجرة. فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيّداً تُقطع وتُلقى في النار". (مت 10:3).

بكلمات الدينونية هذه، يعلن السابق قرب دينونة العالم (يوحنا 31:12). هذه الأقوال للسابق ألهمت كاتبي الإيقونات رسم فأس موضوعة على شجرة في بعض إيقونات يوحنا المعمدان.

وهذه الأقوال عينها سيكرّرها المسيح (مت 19:7). هذا الحدث يشهد مرة أخرى للعلاقة الوثيقة التي تجمع خدمة السابق الرسولية والتدبير الإلهي. وقد علّق عليه الأب سرجيوس بولكاكوف، وهو لاهوتي روسي كبير من القرن العشرين، في أحد الكتب القليلة المكرّسة لشخصية السابق في الكنيسة الأرثوذكسية:

"الحياة والكرازة، في أعمال السابق، تدخلان في تدبير سيدنا يسوع المسيح كتمهيد له، وكجزء منه لا يتجزأ ولا ينفصل، كما دخلت حياة والدة الإله ولكن على نحو خاص مختلف."



مصباح (سراج) النور
ناظمو الموسيقى البيزنطية غالباً ما يتحدثون عن السابق باعتباره "مصباح الشمس" و"مصباح النور" و"مصباح المسيح" و"مصباح الرب (السيّد)" (طروبارية 24 أيلول؛ قانون 24 أيلول للقدّيس يوحنا الدمشقي: في الأودية الثالثة والسادسة؛ قانون 24 حزيران للقدّيس يوحنا الدمشقي: الأودية الخامسة؛ قانون 24 حزيران للقدّيس أندراوس الكريتي: الأودية الخامسة والسادسة؛ قانون 29 آب للقدّيس يوحنا الدمشقي:
الأودية السابعة؛ قانون 29 آب للقدّيس أندراوس الكريتي: الأودية التاسعة؛ وفي مواضع أخرى من أعياد 7 كانون الثاني و25 أيار والألحان الثمانية من المعزي في يوم الثلاثاء المخصّص للسابق).

يعتبرونه أيضاً "الكارز بالنور" (المعزي، اللحن الثامن، سحر الثلاثاء، الطروبارية الثانية من الأودية السابعة التابعة للسابق). كل هذه العبارات تتشابه في قولها إن المسيح السيّد هو الشمس والنور. وتشبيه المسيح بـ"شمس العدل" المرتلة في الموسيقة البيزنطية في عيد ميلاد المسيح، أُخذت من النبوءة المسيحانية لملاخي النبي 2:4 الذي يعلن أنه سوف "تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها".

"هذا هو حمل الله"

في الإنجيل اليوحنائي، يُظهر المسيح نفسَه باعتباره "نور العالم" (يو 12:8) و"النور الحقيقي" (يو 9:1). ويُحدّد يوحنا الإنجيلي أن يوحنا المعمدان كسابق جاء لـ"يشهد للنور" (يو 7:1)، ويوضح في مقدّمته: "لم يكن هو النور بل ليشهد للنور" (يو 8:1). اللاهوت اليوحنائي ألهم ناظمي الموسيقى البيزنطية عن السابق أنه مصباح النور، فبقوا أمناء للاهوته. والواقع أن، المسيح نفسه يقول عن يوحنا المعمدان في يو 35:5 أنه "هو السراج الموقد المنير".

موضوع "المصباح" و"الشمس" قديم، إذ إنه كما ذكرنا آنفاً، دفع الكنيسة في روما لتحديد عيد ميلاد المسيح في 25 كانون الأول، إبتداء من القرن الرابع، حالاً محلّ عيد عبادة الشمس المحدد في يوم انقلاب الشتاء. منذ ذلك الحين، عُيّن عيد ميلاد السابق في 24 حزيران، لا فقط لأنه يكبره بستة أشهر، بل لأن هذا اليوم يقع فيه انقلاب الصيف، الذي يبدأ بعده النهار في الإنتقاص. وقد أخذت الكنيسة في الإعتبار، مرة أخرى، شهادة المعمدان، المذكورة في إنجيل يوحنا: "ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص" (يو 30:3).

صوت الكلمة
تكلّم ناظمو الألحان البيزنطية عن السابق باعتباره "صوت أو بوق الكلمة" (غروب 24 حزيران القطعة الأولى على "يا ربي إليك صرخت" للقدّيس أندراوس الكريتي، وذكصا اللتين، بالإضافة إلى الإيذيومالا الثانية من الأبوستيخن؛ قانون 29 آب للقدّيس أندراوس الكريتي، الأودية التاسعة القطعة الثالثة؛ قانون 25 أيار، الأودية الأولى، القطعة الأولى؛ ومواضع مختلفة من المعزي على الألحان الثمانية في يوم الثلاثاء المخصّص للسابق). هنا لعبوا على مدلول الكلمة ليظهروا من جديد علاقة السابق بالمسيح، المُشار إليه في مدخل الإنجيل الرابع باعتباه "كلمة الله" (يو 1:1). وفي الإنجيل عينه، السابق هو "الصوت الصارخ في البرّية قَوّموا طريق الرب"، في ترداد لما ذُكر قديماً في نبوءة إشعياء النبي (إش 3:40؛ يو 23:1).

هذه التسمية ذات الأصل اليوحنائي تُظهر أن يوحنا المعمدان بما أنه دعي ليكون صوت الكلمة، فقد حُلّ رباط لسان أبيه الذي عُقد لقلّة إيمانه (لو 64:1)، كما وضع السابق حدّاً لظلمة وظلال العهد القديم وهيّأ لمجيء العهد الجديد.

صديق العريس
لقد قدّم ناظمو الألحان البيزنطية السابق باعتباره "صديق العريس" (قانون 23 أيلول للقدّيس يوحنا الدمشقي: الأودية الثامنة، الطروبارية الأولى؛ غروب 24 حزيران، قطع المساء على "يا ربي إليك صرخت": القطعة السابعة؛ المعزي: اللحن الأول، قانون السابق، سحر الثلاثاء، الأودية التاسعة، الطروبارية الثانية). وقد استوحى الأب سرجيوس بولكاكوف عنوان كتابه المكرّس للسابق من هذه العبارة المنقولة من إنجيل يوحنا حيث يقول يوحنا المعمدان:

"أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قلت لست أنا المسيح، بل أني مُرسل أمامه. من له العروس فهو العريس.

أما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فإنه يفرح فرحاً من أجل صوت العريس. إذاً فرحي هذا قد كمل" (يو 28:3 – 29).
هذا النص يذكرنا بعرس المسيح-العريس والكنيسة-العروس، المصوّر في نشيد الأناشيد، والمرتل في المزمور 44، ويشير إليه الرسول بولس في رسالته إلى أفسس (أف 32:5) كما يتكلّم عنه القدّيس يوحنا في الرؤيا (رؤ 7:19 – 9). موضوع العرس لم يكن عرضي في الإنجيل الرابع، إذ في عرس قانا أعطى الرب يسوع آيته الأولى وأظهر مجده فآمن به تلاميذه (يو 11:2).


الأب سرجيوس بولكاكوف رأى في هذا النص أيضاً، إشارة إلى "نشيد السابق"، وهو ثالث وآخر شهادة ليوحنا المعمدان (الأولى في يو 15:1 والثانية 27:1 – 29)، وقد قال فيه:
"ليس هذا نشيد الأناشيد عن حب العروس لعريسها، بل هو نشيد صديقه. لا يوجد فيه تواضع ينتقص، بل تواضع منتصر بفرح الظفر، إنه ظفر السابق".

يفسّر الأب سرجيوس بولكاكوف أن صديق العريس هو أقرب شخص للعريس، وهو الذي وضع فيه هذا الأخير كل ثقته. إنه صديق العريس الذي يفتش ويجد عروسه ويحضرها ويقدمها للعريس. هكذا، يظهر السابق في الإنجيل الرابع باعتباره الصديق الحميم للمخلّص، الذي يجهز البشرية لقبول الخلاص ويقدّمها للمخلّص. عليه تكون الكنيسة قد قُدّمت عروساً للمسيح-العريس بواسطة دور (كرازة) السابق.

الخاتمة
هذه القراءة السريعة للنظم الموسيقي البيزنطي في أعياد السابق أتاحت لنا الفرصة أن نلاحظ الموقع المهم الذي يحتلّه "أعظم مواليد النساء" في التقليد الليتورجي للكنيسة الأرثوذكسية. لقد جعلنا نقدِّر القرابة القائمة بين النظم الموسيقي والنصوص الإنجيلية، التي استقى منها بوفرة آباء النظم الموسيقي وكل التقليد الذي اتبّعوه. ولا عجب إذاً أن يكون السابق ورفاته موضوع إكرام حار في بيزنطية وكل البلدان المسيحية ذات التقليد البيزنطي.


مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين.
سامر يوسف الياس مصلح
07/06/2011