أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 28 أغسطس 2011

هرطقة محاربي الايقونات والمجمع السابع المسكوني

لقد عم احترام الايقونات في القرنين الرابع و الخامس في الكنيسة المسيحية واحترام الايقونات حسب التعليم الكنسي يجب أن يعود الى الأشخاص المصورين عليها.وهذا الاحترام يعبر عنه بالورع والسجود والصلاة للشخص المصور على الايقونة.ولكن في العصر الثامن أخذ يمتزج بهذا التعليم آراء غير ارثوذكسية بشأن احترام الأيقونات ولاسيما في الشعب البسيط.وهذه الطبقة من الشعب بسبب عدم ثقافتها الدينية الكافية كانت تعطي غالبا الأهمية الاولى في الديانة للأمور الخارجية والطقسية.

فعند نظر الشعب البسيط الى الأيقونات وصلاته أمامها كان ينسى أن يرتفع بالعقل والقلب من المنظور الى غير المنظور لا بل صار عنده مع الوقت قناعة بأن الأشخاص المرسومين على الأيقونة غير منفصلين عنها . ولهذا انتشر السجود بنوع خاص للأيقونات وليس للأشخاص المرسومين ,انتشر وهم (خرافة) قريب من عبادة الأصنام. ومن الطبيعي أن يظهر اجتهاد لإزالة هذه الخرافة .ولكن لتعاسة الكنيسة أخذت السلطة المدنية على عاتقها ازالة سوء الاستعمال مبعدة السلطة الروحية. وبازالة احترام الايقونات اخذت السلطة المدنية تزيل ليس لسوء الاستعمال بل احترام الايقونات اجمالا تحت تأثير نوايا سياسية فاحدثت على هذه الصورة هرطقة محاربة الايقونات.

أول مقاوم لاحترام الايقونات كان الامبراطور لاون الايسافري(717-741) . كان هذا ملكا شجاعا دافع عن المملكة بشجاعة ضد العرب المسلمين ووجه انتباههالى الأمور الكنيسية ومن بينها سوء الاستعمال في احترام الايقونات. فقرر ازالتها بوسائل بوليسية . وقد شغف بدوره كعامل كنسي لدرجة اراد أن يزيل مع سوء الاستعمال احترام الايقونات الحقيقي .فلم يفصل احترام الايقونات الوهمي عن الحقيقي.وتراءى له كل نوع من احترام الايقونات هو خرافي ولاون الايسفري كجندي خشن كان غريبا عن الاحساسات والميول السامية , فلم يفهم أو لم يرد أن يفهم بأنه من النظر الى الصورة يمكن الارتفاع بالعقل والقلب الى صاحبهاالمرسوم عليها ذاته .


لقد ظن بفظاظته بأنهم اذا سجدوا للايقونات فانهم انما يسجدون للصور ,أضف الى ذلك بأن لاون نظم مشروعا فاشلا هو جذب المسلمين العرب واليهود الى المسيحية بازالة احترام الايقونات الذي كان عثرة لهم ويضحك منه هؤلاء واولئك.فشرع لاون الايسفري في البداية بازالة الايقونات بتحفظ كاف ففي سنة 726 أصدر مرسوما ضد السجود للأيقونات فقط. فأمر أن توضع في الكنائس في بأمكنة عالية حتى لايصل اليها الشعب ويقبلها فنهض ضد هذه الاوامر جرمانوس بطريرك القسطنطينية.وتبعه في الدفاع عن احترام الايقونات يوحنا الدمشقي الشهير , الذي صار فيما بعد راهب دير القديس سابا في فلسطين. فكتب رسالة حارة ضد حرب الايقونات وأرسلها الى القسطنطينية . ومما قاله ضد أعداء الايقونات البرهان الآتي:


اذا كان منع في كنيسة العهد القديم تصوير الله فهذا المنع لا يختص بكنيسة العهد الجديد عندما قبل الله ذاته طبيعة بشرية وعاش على الارض كانسان , واندفع ايضا للدفاع عن اكرام الايقونات البابا غريغوريوس الثاني فكتب تحريرا للامبراطور قال فيه بأن المسيحيين يكرمون ليس الايقونة بل الأشخاص المرسومين عليها وأن اكرام الايقونات اصبح عام الاستعمال حتى ان الأطفال الذي يتعلمون في المدارس اذا اتيت اليهم وتكلمت ضد اكرام الايقونات يرشقونك لأجل هذا بألواحهم المدرسية.


واخيرا اذا كان الامبراطور يصر على ازالة على ازالة اكرام الايقونات فستخرج رومية من تحت سلطته. والشعب ايضا قد اضطرب لامر الامبراطور واعرب علنا عن استيائه.هكذا عندما امر بنزع ايقونة المسيح المخلص المحترمة المعلقة فوق بوابة القصر الامبراطوري ,فجمهور الرثوذكسيين المحيط بالسلم التي ارتقى عليها الجندي لاتمام الأمر دفع السلم وقتل الجندي .مع هذا ازيلت الايقونة .اما في جزائر تسيكلاد فحدثت ثورة حقيقية .فاستطاع لاون أن يهدئ الثائرين وشرع بغيرة يزيل اكرام الايقونات. ففي سنة730 صدر مرسوم يأمر بإخراج الأيقونات من الكنائس.


فرفض البطريرك جرمانوس تنفيذ هذا الأمر فأنزل سنة 733 واقيم مكانه انسطاسيوس الخاضع لأمر الامبراطور . فأزيلت الايقونات من الكنائس وانزل الأساقفة المعارضين لهذا .وقد وجد أساقفة تطوعوا لمساعدة الامبراطور بازالة اكرام الايقونات مثلا قسطنطين الفريجي اخرج الايقونات من كنائسه منذ ظهور أول مرسوم .ولكن كان يمكن ازالة الايقونات من الكنائس الواقعة ضمن حدود المملكة البيزنطية. ففي سوريا الموجودة تحت سلطة العرب ,وفي رومية التي لم تكن تعترف تقريبا بسلطة الامبراطور البيزنطي لم يستطع لاون أن ينفذ مرسومه بالقوة.


والكنائس الشرقية الموجودة تحت سلطة العرب قطعت علاقاتها بالكنيسة اليونانية ويوحنا الدمشقي كتب ايضا رسالتين ضد محاربي الايقونات وكذلك البابا غريغوريوس الثالث( سنة 731 - 741 ) الذي وقف كسلفه لجهة مكرمي الايقونات نهض ضد المرسوم الامبراطوري وفي سنة 732 عقد مجمعا في رومية حرم فيه محاربو الايقونات فأراد لاون أن يقاص البابا فارسل الى ايطاليا اسطولا لكنه تحطم في العاصفة, فاكتفى نزع مقاطعة ايليريا من تحت سلطة البابا وضمها الى البطريركية القسطنطينية . وفي سنة 741 مات لاون الايسافري وتمكن فقط من اخراج الايقونات من الاستعمال في الكنائس ولكنه لم يستطع أن يخرجها من الاستعمال في البيوت مع كل قساوته.


بعد موت لاون أعيد اكرام الايقونات لبعض الوقت. وجلس على عرش الملك صهره ارتابزد بمساعدة مكرمي الايقونات مع وجود ابن لاون وولي عهده قسطنطين كبرونيم فظهرت الايقونات ايضا في الكنائس وبدأ ايضا اكرام الايقونات علنا, ولكن في سنة 743 انزل قسطنطين عن العرش ارتابزد وبدأ على مثال والده باضطهاد اكرام الايقونات ولكن بأكثر عناد وقساوة. فأراد كبرونيم ان يزيل اكرام الايقونات كهرطقة بطريقة احتفالية مع مراعاة القانون .


ولأجل ذلك الف في القسطنطينية مجمعا سنة 754 ودعاه مسكونيا. وحضر المجمع 338 اسقفا ولكن لم يكن ولا بطريرك واحد. وقد وضع هنا بأن اكرام الايقونات هو عبادة أوثان وأن صورة المسيح المخلص الوحيدة هي في الافخارستيا(سر الشكر) وما اشبه وللبرهان أورد المجمع من الكتاب المقدس آيات مفسرا اياها لجهة واحدة وخطأ. وكذلك أورد مقاطع من تآليف الآباء القدماء اما مدسوسة او مشوهة او مفسرة تفسيرا مغلوطا.


وفي الختام رشق المجمع بالاناثيما جميع المدافعين عن اكرام الايقونات والذين يكرمونها وخصوصا يوحنا الدمشقي ووضع قانونا بأن كل من يحفظ بعدهذا ايقونات ويكرمها فاذا كان هذا الشخص روحانيا فلينزل من درجته الكهنوتية واذا كان علمانيا أو راهبا فليفرز من الشركة الكنيسية ويتعرض للقصاص بموجب القوانين الامبراطورية فوافق جميع الاساقفةعلى تحديدات المجمع بعضهم عن قناعة والقسم الأعظم بسبب الخوف من الامبراطور. وقد أقام المجمع مكان البطريرك انسطاسيوس المتوفى قبل هذا بطريركا على القسطنطينية الاسقف قسطنطين من فريجيا الذي امتاز بعدائه لاكرام الايقونات وقد وضعت تحديدات المجمع للتنفيذ بقساوة خارقة.


وامتد الاضطهاد حتى الى احترام الايقونات البيتي . ولكن استطاع الارثوذكسيون حفظ الايقونات في الأماكن السرية البعيدة عن أعين البوليس ,ولم يتوقف كبرونيم عند اكرام الايقونات فذهب أبعد ,أنه أراد انه أراد أن يلغي اكرام القديسين وبقاياهم والحياة الرهبانية,حاسبا كل هذا خرافة. وبموجب أوامره أحرقت بقايا القديسين أ وطرحت في البحر , وتحولت الأديار الى ثكنات أو زرائب للخيل وطرد الرهبان والبعض منهم الذين انتقدوا علنا عمل الامبراطور ودافعوا عن اكرام الايقوناتحكم عليهم بالموت تحت العذاب ولقد تنفذت اوامر الامبراطور في كل مكان الا في رومية وفي الوقت الذي حكم فيه قسطنطين كبرونيم على اكرام الايقونات في مجمعه المسكوني شرع البابا بتنفيذ برنامج فصل رومية عن المملكة البيزنطية.


واكسرخوسية رافينا المنتمية الى المملكة اليونانية استولى عليها اللونغوبرد 752م والبابا استفان الثالث دعا بين ملك الفرنك للمساعدة فطرد اللونغوبرد وقدم الأراضي المأخوذة منهم هدية للكرسي الرسولي اعني البابا 755 م فلم يبق بعد هذا املك لليونان في ايطاليا .وصار استفان حرا واستطاع بلا اقل مانع أن يرفض كل مقررات مجمع محاربي الايقونات سنة 754.


مات قسطنطين كبرونيم 755 وخلفه ابنه لاون خزر 755-780 ونشأ هذا على روح محاربة الايقونات.وبموجب وصية ابيه كان يتوجب عليه ان يعمل ضد اكرام الايقونات . ولكن لاون كان ضعيف الارادة وكان لزوجته ايرينا تأثير كبيرعليه, وكانت تتمسك سرا باحترام الايقونات . وتحت حمايتها بدأ الرهبان المطرودون بالظهور في المدن وحتى في القسطنطينية ذاتها. وبدأ يشغل المراكز الاسقفية اساقفة من مكرمي الايقونات سراا...

وفي سنة 780 بسبب الايقونات التي وجدت في غرفة نوم ايريلي بدأ بوسائل قاسية يخنق اكرام الايقونات الذي عاد من جديد . ولكنه مات في تلك السنة فتسلمت ايرينا نيابة عن ابنها القاصر قسطنطين المولود على البرفير 780- 802 فأعلنت ذاتها بحزم من مؤيدي اكرام الايقونات.

فتسلم الرهبان اديارهم بدون معارض وصاروا يظهرون في الشوارع وينعشون في الشعب المحبة التي كانت فترت نحو اكرام الايقونات واعضاء الشهيدة اوفيميا التي طرحت في البحر على عهد قسطنيطين كوبرونيم واخرجت من الماء وشرعوا يقدمون لها الاحترام الواجب . وبطريرك القسطنطينية بولس الذي كان في جملة اعداء اكرام الايقونات وجد ذاته امام هذا التحول مضطرا لان يتخلى عن الكرسي ويبتعد الى الدير. وأقيم مكانه بحسب رغبة ايريني رجل علماني طراسي من مكرمي الايقونات .

وقبل طراسي الكرسي شريطة أن يعيد الشركة مع كنيسة رومية والكنائس الشرقية التي كانت انقطعت في اثناء حرب الايقونات ولكي يستدعي مجمعا مسكونيا جديدا لاجل تثبيت اكرام الايقونات. وفي الواقع كتب بموافقة ايرينا الى البابا اوربان الاول عن اكرام الايقونات المنوي اعادته ودعاه للمساهمة في المجمع المسكوني وأرسل كذلك دعوات لبطاركة الشرق. وأخيرا التأم المجمع في القسطنطينية سنة 786 فارسل البابا ممثليه ومثل بطاركة الشرق راهبان وحضر المجمع ايضا كثيرون من اساقفة اليونان .

ولكن الاجتماع لم يتم في هذه السنة.لان اكثرية الاساقفة كانت ضد اكرام الايقونات.فاخذوا يؤلفون اجتماعات سرية ويبحثون ضد اكرام الايقونات. زد على ذلك ان الحرس الامبراطوري المؤلف من جنود قسطنطين كوبرونيم القدماء لم يريدوا ان يعاد تكريم الايقونات .وفي احدى جلسات المجمع احدث الاساقفة خصوم تكريم الايقونات ضجيجا,وفي الوقت ذاته هاج الحرس في باحة دار الاجتماع. فاضطر طراسي ان يقفل المجمع. وفي السنة التالية 787, وكانت ايرينا اطلقت في وقت مناسب من الخدمة الجنود مضادي اكرام الايقونات, اعيد افتتاح المجمع بهدوء في نيقية هذا كان النيقي الثاني والسابع المسكوني.

فاجتمع 367 من الآباء ومع انه كان هنا اساقفة من مضادي اكرام الايقونات ولكنهم كانوا اقل من الارثوذكسيين.وكانت جلسات المجمع ثماني .وقبل كل شئ القى طراسي كرئيس المجمع خطبة في صالح اكرام الايقونات ثم تلت ايرينا خطبة مثلها. فوافق الاساقفة الارثوذكس على الخطبتين.وعرض طراسي على الاساقفة المعارضين,بأنهم اذا كانوا يتوبون ويقبلون باكرام الايقونات قيبقون في درجاتهم الكهنوتية. وبعد هذا العرض وافق الاساقفة المعارضون على اكرام الايقونات .


ثم تلوا رسالة البابا ادريان بشأن اكرام الايقونات واوردوا براهين لصالح اكرام الايقونات من الكتاب المقدس والتقليد المقدس وكتابات آباء الكنيسة ودرسوا اعمال المجمع المحارب للايقونات سنة 754 فوجدوه هرطوقيا. واخيرا رشق آباء المجمع المسكوني السابع بالحرم كل محاربي الايقونات والفوا تحديد الايمان الذي جاء فيه:

"نحفظ كل التقاليد الكنيسية ,التي ليست بمستحدثة الموضوعة لا جلنا في الكتب المقدسة وبدونها التي منها ما يتكلم عن تصوير الايقونات ... ونحدد بأن يصير رسم الصليب الكريم المسيحي في كنائس الله على الاواني المقدسة وعلى الالبسة والجدران والالواح وفي البيوت والطرقات والايقونات الكريمة المقدسة المصورة بالالوان ومن الفسيفساء(الاحجار الدقيقة) ومن اشياء اخرى مساعدة لصنعها كايقونة ربنا والهنا ومخلصنا يسوع المسيح وسيدتنا الطاهرة القديسة والدة الاله وكذلك الملائكة المكرمين وجميع القديسين والرجال الابرار .


لأن الناظرين الى الرسوم المنظورة للمخلص ولوالدة الاله وغيرها تتنبه فيهم التذكارات والمحبة للمصورين عليها ,والى تكريمهم بالتقبيل والسجود الاكرامي ليس المختص حسب ايماننا ,بالسجود لله الذي يليق بالطبيعة الالهية وحدها ولكن بالاحترام المقدم لصورة الصليب الكريم المحيي وللانجيل المقدس ولبقية الاشياء المقدسة".

وفضلا عن ذلك فقد وضح المجمع بأن كل التآليف التي كتبها الهراطقة ضد اكرام الايقونات يجب ان تعرض على بطريرك القسطنطينية اما الذين يخفون مثل هذه التآليف فقد حدد (المجمع) اذا كانوا من الروحانيين فليحرموا من درجتهم الكهنوتية والعلمانيين فليفرزوا من الكنيسة. انتهت جلسات المجمع في نيقية والجلسة الثامنة والاخيرة كانت في القسطنطينية بحضور ايرينا . هنا تليت تحديدات المجمع بصورة احتفالية ووقعتها الامبراطورة وبموجب تحديدات المجمع اعيد اكرام الايقونات في كل الكنائس عام 787.


استمرار حرب الايقونات بعد المجمع
ان حزب محاربي الايقونات بقي قويا حتى بعد المجمع المسكوني السابع وبعض الاساقفة من محاربي الايقونات الذين اقروا في المجمع اكرام الايقونات ليحفظوا لذاتهم مراكزهم الاسقفية بقوا في سرهم اعداء اكرام الايقونات. وسيطر بين الجنود روح مضادة الايقونات منذ زمن قسطنطين كوبرونيم. وصار من المنتظر اضطهاد جديد على اكرام الايقونات. وقد حدث في الواقع عندما جلس على العرش الامبراطوري لاون الارمني (813-820) من حزب محاربي الايقونات الخضر .


هذا تربى على المبادئ المحاربة للايقونات والمحاط باعدائها. وكان من المنتظر ان يصير محاربا للايقونات لكنه اجتهد في بادئ الامر ان يخفي بغضه للايقونات لرغبته في مصالحة حزبي محاربي الايقونا والارثوذكسيين.وقبل ان يعلن منع اكرام الايقونات كلف يوحنا الغرماتيكبتأليف لائحة تضم شهادات من الآباء القدماء ضد اكرام الايقونات لكي يقنع الارثوذكسيين ليرفضوه, لكن الحزب المحارب للايقونات طلب باصرار وسائل حازمة ضد مكرمي الايقونات وحتى انه اعلن بصراحة بغضه للايقونات.


هكذا حدث مرة ان الجنود المحاربين للايقونات بدأوا يرشقون بالحجارة ايقونة المسيح (الكفيل)المعروفة التي ارجعتها ايرينا الى مكانها الاول فوق بوابة القصر الامبراطوري . فأمرالامبراطور بانزالها بحجة انهاء التشويش. فالارثوذكسيين برئاسة بطريرك القسطنطينية نيكيفوروس ورئيس دير الستوديت الشهير لما رأوا أن الاضطهاد قد بدأ ضد اكرام الايقونات ألفوا مشرة وقرروا التمسك بقرارات المجمع المسكوني السابع . ولما علم الامبراطور بذلك دعا اليه البطريرك ومعه ثيوذور ستوديت وغيره من اللاهوتيين الارثوذكس .


فعرض الامبراطور قضية المصالحة مع حزب محاربي الايقونات فرفضوا بحزم التخلي عن شيء لأجل الهراطقة. ولما لم يبلغ لاون الارمني بطريق الاقناع الى ازالة احترام الايقونات التجأ الى وسائل القوة. فأصدر مرسوما منع فيه الرهبان من التبشير باكرام الايقونات. وواجب على كل الرهبان توقيع هذا المرسوم ولكن لم يوقعه الا القليلون. وكتب ثيوذور ستوديت رسالة عامة للرهبان يقنعهم فيها ان يخضعوا لله وليس لبشر. فذهب الامبراطور الى ابعد باضطهاده اكرام الأيقونات .


وفي سنة 815 أنزل البطريرك نيكيفوروس ونفاه واقام مكانه ثيوذوت كاسيتير عدو اكرام الايقونات. فالبطريرك الجديد جمع مجمعا رفض المجمع المسكوني السابع واعترف بقانونية مجمع قسطنطين كوبرونيم سنة 754 المحارب للايقونات .مع هذا اراد مجمع ثيودوت كسيتر ان يقدم بعض التنازل للارثوذكسين فعرض ان يترك لارادة كل شخص ان يكرم الايقونات ام لا يكرمها اعني الاعتراف بان اكرام الايقونات ليس واجبا.فوافق على هذا العرض بعض الرهبان الآتين بدعوة الى المجمع. وهؤلاء بعد اقناع ثيوذور ستوديت رفضوا.


والاثرية بقيادة ثيوذور ستوديت لم يريدوا ان يعرفوا لا البطريرك الجديد ولا المجمع ولا ما عرضه. ولم يخش ثيودور ستوديت ان يعلن اعتراضه على اوامر محاربي الايقونات.وقد نظم زياحا ضخما يوم احد الشعانين في شوارع المدينة مع الايقونات وتراتيل المزامير... فاستاء الامبراطورجدا من مقاومة الارثوذكسيين وعلى مثال قسطنطين كوبرونيم بدأ بطردهم ابتداء من من الرهبان . فتهدمت الاديار وطرد الرهبان وارسلوا الى المنافي وكان ثيوذور ستوديت من الاول المتألمين لأجل الايمان . فأرسلوه الى المنفى وعذبوه هناك بالجوع واشرف على الموت لو لم يقاسمه حارس السجن طعامه , الذي كان سرا من مكرمي الايقونات. ووزع ثيودور من منفاه تحارير للارثوذكسيين مثبتا فيهم المحبة لاكرام الايقونات حتى سنة 820 عندما أنزل لاون الارمني عن العرش واحتل مكانه ميخائيل الالثغ 820-829 فهذا ارجع من المنفى البطريرك نيكيفوروس وان لم يرجع اليه كرسيه وثيوذور ستوديت والارثوذكسيين الآخرين.


ولكن لخوفه من حزب محاربي الايقونات القوي لم يشأ ان يعيد اكرام الايقونات وان كان سمح باكرامها البيتي وخلف ميخائيل ابنه ثيوفيلوس829-842 وهذا الملك كان اكثر حزما من ابيه بقضية اكرام الايقونات. تربيته تحت اشراف يوحنا النحوي (غراماتيك)الذي صار بطريركا جعلته عدوا لاكرام الايقونات .فمنع اكرام الايقونات البيتي وارسل الرهبان ايضا الى المنافي وحتى الاستشهاد .ولكن بغض النظر عن هذا وجد في نفس عائلة ثيوفيلوس مكرمون للايقونات هذا حماته ثيوكتيستا وزوجته ثيودورة وعرف هذا ثيوفيلوس قبل موته 842 .


واعتلى العرش بعد ثيوفيلوس ابنه ميخائيل الثالث الحدث السن.فتولت ثيودورة ادارة المملكة بمساعدة ثلاثة اوصياء:أخويها فاردا ومنوئيل واخي الامبراطور المتوفي ثيوكتست قررت ثيودورة اعادة اكرام الايقونات ووافقها الاوصياء على هذا عدا منوئيل الذي خشي مقاومة الحزب المحارب للايقونات. ولكن منوئيل وافق بعد شفائه من مرض خطر وعد في اثنائه حسب اقناع الرهبان,بإعادة اكرام الايقونات وانزل البطريرك يوحنا غراماتيك ونصب مكانه القديس مثوذيوس الغيور على اكرام الايقونات.


فجمع مجعا تثبتت فيه قداسة المجمع المسكوني السابع واعيد اكرام الايقونات, تم في 19 شباط عام 842 يوم الاحد الاول من الصوم الكبيرتنظم زياح عظيم في شوارع المدينة مع الايقونات . وبقي هذا اليوم الى الابد يوم انتصار الكنيسة على كل الهرطقات يوم الارثوذكسية . وبعد هذا انزل الاساقفة المحاربون للأيقونات ونصب مكانهم ارثوذكسيين . وقد أضاع حزب محاربي الايقونات قوته نهائيا...

مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين

سامر يوسف الياس مصلح
بيت ساحور
28/08/2011

السبت، 27 أغسطس 2011

عيد رقاد و انتقال أمنا والدة الإله بالنفس و الجسد إلى السماء

إن العذراء هي ابنه يواكيم بن فاربافير من نسل داود من سبط يهوذا وأمها اسمها حنة ابنة مثاتان الكاهن من سبط لاوي وكان يواكيم وحنة قد مضى على زواجهما 50 عاماً ولم ينجبا أولادًا فبقدرة الله وبرضاه أرسل الملاك وبشر حنة النبية أنها تحبل بابنه أشرف من كل الخلائق وكان ذلك في اليوم التاسع عشر من شهر كانون أول من السنة السابعة عشر قبل الميلاد وفي اليوم الثامن من شهر أيلول من السنة السادسة عشر قبل الميلاد ولدت مريم البتول في القدس في المكان المدعو اليوم مدرسة القديسة حنة " الصلاحية " وسميت مريم " أي سيدة أو رجاء حسب تسمية الملاك، وكان والداها قد قدما نذرًا للرب أنهما إذا رزقا طفلاً أن يخدم الهيكل صبيًا كان أم صبيّة وفرح بها والداها فرحًا عظيمًا، ولما بلغت مريم عامها الثالث جاء بها والداها في 21/11/13 قبل الميلاد،فأدخلاها الهيكل لتخدم فيه وفاءً





لنذرهما فتقبلها زخريا الكاهن الأكبر فأدخلها إلى قدس الأقداس بإلهام الروح القدس إذ أنها يومًا ما ستصبح قدس أقداس للرب يسوع وهناك تثقفت العذراء في العهد القديم، وفي وقت إقامتها في الهيكل مات والداها. ولما بلغت أخذوا يتشاورون [ أي الكهنة ] كيف يتصرفون معها بدون أن يغضبوا الله، وقال القديس إيرونيموس: إن الكهنة لجأوا الى تابوت العهد بصلاة حارة، وطلبوا من الله أن يظهر لهم الرجل الأهل لأن يعهد إليه بالعذراء ليحفظ بتوليتها تحت مظهر الزواج فأمروا يومئذ بصوت من الرب بأن ينتخبوا اثني عشر رجلاً من قبيلة داود لا نساءَ لهم، أرامل ويضعوا عصيهم على المذبح ويسلموا العذراء لمن تزهر عصاه، وفعلوا ذلك وكانوا يصلون طول الليل قائلين أظهر يا رب الرجل المستحق للعذراء وفي الصباح دخل الكهنة مع الاثني عشر رجلاً فرأوا أن عصا يوسف قد أزهرت وكان هو أقرب إليها وكان عمره ثمانين سنة وكان له ستة أولاد من زوجته المتوفية (وهم يعقوب ويوسي وشمعون ويهوذا ومريم وسالومة)


ومضى يوسف مع مريم بعد الخطبة إلى مدينة الناصرة وبعد الخطبة بثلاثة أشهر وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر آذار والعذراء تقرأ في سفر أشعياء النبي "ها إن العذراء تحبل وتلد ابنًا ويدعى اسمه عمانوئيل" كانت تتمنى أن ترى هذه الفتاة من تكون التي يصفها أشعياء وهي في هذه الأفكار حضر الملاك جبرائيل رسول الثالوث الأقدس يقول لها: "السلام عليك يا مريم يا ممتلئة نعمةً الرب معك مباركة أنتِ في النساء".


فلما اضطربت من كلامه قال لها: "لا تخافي يا مريم لأنك وجدت نعمة عند الله وها أنت تحبلين بالضابط الكل وستلدين طفلاً وتسمينه يسوع"، فأجابته العذراء: "كيف يكون ذلك لبنت عذراء لم تعرف زواجًا" فقال لها الملاك: "إن الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلُلك وذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله وها أن نسيبتك أليصابات هي أيضًا حبلى بابنِِ في شيخوختها وها هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرًا"، فأجابت العذراء: "ها أنا أمة للرب فليكن لي حسب قولك".


وإذ قالت مريم هذه الكلمة حلت كلمة الله في أحشائها الطاهرة فنظر الملاك إلى السماء فرأى الابن جالسًا في أحضان أبيه ثم نظر إلى العذراء فرآه أيضا داخل أحشائها النقية نظير الجنين فسجد مؤديًا الإكرام الواجب لوالدة الإله، ثم عاد إلى السماء مسرورًا، وبعد أن بدا الأمر غير خافيًا على يوسف الصديق، يقول القديس أثافاسيوس: إن يوسف كان يُعفِف البتول وكان حائرًا من عدم اضطرابها، وبعد ذلك أتاه الملاك قائلاً: يا يوسف ابن داؤد لا تخف أن تأخذ امرأتك مريم لأن المولود منها هو من الروح القدس، وبعد ذلك ذهبت مريم إلي الجبل إلي مدينة عين كارم ودخلت إلى بيت زخريا وسلمت على ألياصابات وعندها عرف الجنين "يوحنـا" الذي في بطن ألياصابات أن البتول هي أم المسيح المنتظر وسجد في بطن أمه وامتلأت ألياصابات من الروح القدس فصاحت بصوت عظيم وقالت: "مباركة أنت في النساء من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي فطوبى للتي آمنت ما قيل لها من قبل الرب"، فقالت مريم: " تعظم نفسي للرب ".


وبقيت عندها ثلاثة أشهر ثم عادت إلي بيتها وفي تلك الأيام صدر أمر من القيصر الروماني بأن يكتتب كل المسكونة فانطلق الجميع ليكتبوا أسماءهم كل واحد في مدينته وذهب يوسف وخطيبته مريم من الناصرة إلي بيت لحم وكانت بيت لحم لم يعد فيها أي مسكن من كثرة الناس.

وبالكاد وجد يوسف مكانًا في مغارة البهائم وباتا فيها، وفي نفس الليلة ولدت مريم العذراء الطفل الإلهي، وفي تلك الناحية بشر الملائكة الرعاة بالفرح العظيم: " ولد لكم مخلص وهو المسيح الرب "، وبعد ذلك نرى العذراء في الهيكل بعد 40 يوماً ونرى العذراء عندما جاء المجوس وقدموا الهدايا ذهبًا ولبانًا ومرًا. وبإرشاد الملاك المرسل من الله ذهب يوسف مع الطفل وأمه إلى مصر وسكنت العذراء سنتين وستة أشهر في مصر وسكنت في نفس المنطقة التي ظهرت فيها العذراء في سنة 1967 في كنيسة الزيتون ودير المحرفة والمطرية.


وعندما مات هيرودس، وبإرشاد الملاك عادوا وسكنوا الناصرة وترافقه العذراء في أكثر عجائبه وتعاليمه فنراها مع يسوع عندما كان يعلم في الهيكل وفي أول عجيبة في عرس قانا الجليل، وآخر أيام المسيح على الأرض نرى



المسيح يسلم والدته إلى التلميذ الحبيب يوحنا، ونراها يوم القيامة مع المريمات، ويوم الصعود في جبل الطور، ويوم العنصرة في حلول الروح القدس مع التلاميذ، وكانت في القدس عزاءً للرسل في زمن الاضطهاد الذي قام به هيرودس. وكان يحضر إليها كثير من الذين كانوا يؤمنون، وكان لها أكبر الأثر في نفوس المؤمنين، وذهبت العذراء إلى جزيرة قبرص بدعوة من القديس ليعازر (الذي أقامه يسوع من بين الأموات) وذهبت في طريقها إلى جبل آثبوس أي "المقدس"، وكان الجبل كله أصنام وعباده أوثان وعند وصول العذراء الجبل تحطمت الأصنام لوحدها وبشرت العذراء بالمسيح واعتمد جميع السكان وسمي هذا الجبل بالجبل المقدس نسبة لزيارة العذراء الكلية القداسة له وما زال حتى اليوم يعج بالأديرة والكنائس والرهبان.


وأيضاً زارت أفسس حيث كان القديس يوحنا الحبيب ورجعت بعد ذلك إلي القدس ولما بلغت الستين من عمرها جاءها الملاك في اليوم الثاني عشر من شهر آب من السنة 44 ميلادية فبشرها أنها بعد ثلاثة أيام ستنتقل من دار الشقاء إلى دار الهناء والبقاء، ففرحت فرحًا عظيمًا وَصلت شاكرةً لله، وطلبت أن ترى أولادها الروحانيين أي الرسل الأطهار الذين كانوا متفرقين في أقٌطار العالم فإذا بالسحب تخطفهم في اليوم الخامس عشر من شهر آب وتجمعهم لدى الأم البتول ففرحت بهم وأخبرتهم سبب حضورهم العجيب وعزتهم على حزنهم، وأن الدنيا كلها إلى زوال وَصلت من أجل سلام العالم، واضطجعت كما أرادت وأسلمت روحها إلى ابنها.


أما الرسل حملوا السرير بموكب جنائزي مهيب إلى القبر الذي في قرية الجسمانية وإن أحد اليهود من عشيرة الكهنة واسمه أثاناس مد يده إلى النعش يريد أن يقلبه فإذا بسيف يقطع يديه الأثيمتين، فخاف اليهود جدًا، وآمن قوم كثير منهم. وبعد أن وضعوا جسد العذراء في القبر كان الرسل يتناوبون حوله سجدًا يرتلون التسبيح مدة أسبوع.

وذكر أن الرسول توما لم يكن حاضرًا رقاد العذراء، وحضر بعد ثلاثة أيام وكان في الهند أصر أن ينظر محيّا والدة الإله ويبترك منه ويودعه مثل باقي الرسل فلما رفع الحجر عن باب القبر لم يجدوا الجسد بل كان الضريح فارغًا والأكفان وحدها، فآمنوا أن العذراء انتقلت بالنفس والجسد إلى ملكوت السماوات، وعندما كانوا يصلون على المائدة المقدسة عند استحالة القربان إذ بالعذراء تقف بجسمها الطاهر بسحابة منيرة وملائكة المجد حولها فقالت: "السلام لكم، افرحوا لأني معكم كل الأيام"، فهتف الرسل بصوتٍ واحد : "أيتها الفائق قدسها والدة الإله خلصينا".

بتولية العذراء: إن الكنائس المسيحية بأجمعها تعتقد بدوام بتولية العذراء ولإظهار الحقيقة نقول:


1- إن كلمة حتى تدل على الاستمرار وهي حسب أفضلية النحاة تدخل ما بعدها في حكم ما قبلها: فإن كان ما قبلها مثبتًا كان ما بعدها مثبتًا، وإن كان منفيًّا كان ما بعدها منفيًّا، مثلاً ذكر في سفر تكوين 7:8 " ولم يرجع الغراب حتى نشف الماء عن وجه الأرض" هنا ما قبل كلمة حتى منفيًّا لم يرجع إذن ما بعدها منفيًّا لأن الغراب لم يرجع أبداً.

2- قال المخلص: "هـا أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر" (متى 20:28)، هنا قبل كلمة حتى مثبتًا إذن ما بعدها أيضا مثبتًا أنا معكم مثبتًا، ونحن لم ننفصل عن المسيح أبدًا لا في هذا الدهر ولا في الحياة الخالدة بل نكون معه بأوفر كمالا.ً

3- يقول في صموئيل الثاني 22:6 " لميكال ابنة شاول لم يكن لها ولد حتى يوم موتها" هنا ما قبلها منفيًّا لم يكن لها ولدُُ إذن ما بعدها منفيًّا، وهل يمكن أن تلد بعد الموت!

ثانيًا: إن البكر في الكتاب المقدس المولود الأول عن وحيدٍ أو بين إخوة كما يتضح من أمر الرب بأن يكرس له بكر حيث يقصد بالأبكار المولودين أولاً أو الوحيدين. ويقول في أشعياء " أنا الإله الأول" أشعياء 6:44 فهل من إله ثانٍ أو ثالث!

ثالثًا:

أما إخوة المسيح فهم أبناء يوسف من امرأته الأولى أو أبناء كلاويا من امرأته ابنة خالة العذراء لأن الأقارب في الكتاب المقدس يدعون إخوة إبراهيم ولوط ابن أخيه يدعان أخوات تكوين 8:13 وكذلك لأبان ويعقوب إن أخته رفقه كانا يدعون أخوات تكوين 15:29، وفضلاً عن ذلك فهل يعقل أن تكون أمًا لبشر بعد أن وسعت في أحشائها إله الكل! وقد دعاها الكتاب المقدس امرأة ليوسف لكي لا يشتبه في أمر حبلها وأما بعد الولادة نرى أن الكتاب المقدس يدعوها "أم الصبي" متى 13:2 ولوقا 43:2. وقد دعا يسوع العذراء " بامرأة" (يوحنا4:2 ويوحنا 26:19) لتكريمها وتعظيمها لأن كلمة امرأة يومئذ كانت اصطلاحًا في اللغة للدلالة على الاحترام والعطف، ويؤخذ من الآداب اليونانية القديمة أن السيدات ذوات المجد الرفيع كن يخاطبن بهذا اللفظ.

فبشفاعة العذراء مريم الكلية القداسة يا رب ارحمنا وخلصنا آميـن


يرتبط معنى عيد رقاد والدة الإله بما يقوله المزمور ويؤكد عليه آباء الكنيسة: ” جعلت الملكة عن يمينك بذهب اوفير” (مز9:45)، وفيه نحتفل بحدثين أولهما موت ودفن العذراء والثاني انتقال جسدها للسماء، ويسيطر هذان الحدثان على تسبيح وصلوات العيد.

تكرم الكنيسة الأرثوذكسية في العالم بشكل خاص والدة الإله وهذا التكريم يعود أصوله أو جذوره لفترة الرسل من تاريخ الكنيسة وشهدوا بذلك من خلال الأناجيل المقدسة ومنهم الإنجيلي لوقا: “فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تُطوّبُني” (لو48:1)، ويعتبر هذا التطويب شهادة على تكريم شخص والدة الإله من العصر الرسولي.

بسبب تكريم شخص والدة الإله ظهرت أعياد كثيرة ومختلفة، متعلقة بها: مولد والدة الإله، دخولها للهيكل، البشارة، الرقاد. أما عيد الرقاد فقد بدأ التعييد به منذ القرن الخامس أما الذي حدد يوم 15 آب للعيد هو الإمبراطور مافريكو نهاية القرن السادس، ذُكر العيد لأول مرة في كلمة لكاتب مجهول حول إنجيل يوحنا والذي كُتب بين بداية ونهاية القرن الخامس، أي 400-500 م، ويحتوي النص على الأفكار اللاهوتية للكنيسة حول والدة الإله بحسب التقليد، وبالإضافة لهذا النص يوجد نصوص أخرى تتحدث عن العيد وأهمها النص المنحول ليوحنا حيث يشكل المصدر الأساسي لتراتيل العيد وللأحداث التي تدور في أيقونة الرقاد.


حافظ الإنجيلي لوقا على تعظيم لوالدة الإله وذلك عندما رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت للمسيح عندما سمعته يعلّم ويتكلم: “طوبى للبطن الذي حملك والثديين الذين رضعتهما” (لو28:11). يمكن أن تكون هذه التطويبة من كل امرأة أو رجل لا بل هي تعظيمة من الكنيسة ككل، وتمثل هذه المرأة كل الكنيسة بقولها للتطويبة والكنيسة تعظّم مريم لأنها ولدت المسيح.


كان بإمكان المسيح أن يَخلق لنفسه جسداً كما فعل عند خلق العالم ولكنه فضّل أن يتكوّن هذا الجسد داخل أحشاء مريم العذراء، وكي يتم هذا يجب أن يختار الله أحشاء نقية، يقول نيقولاوس كابسيلاس أن الله اختارها، كي يأخذ جسداً، لأنها ستصلح ما قد خرّبه آدم وحواء، أي أن مريم العذراء قادت الطبيعة البشرية نحو الخلاص وإمكانية الكمال على حين آدم وحواء قادوها للسقوط والخطيئة. فباتت مريم هي المكان والأداة لولادة جسد المسيح أي لآدم جديد.


تكرم الكنيسة عيد رقاد السيدة، أي الموت الطبيعي، وتسمّيه انتقال العذراء إلى السموات. وهو موضوع كان مجال كبير للنقاش والحوار ولكنه منطقي لسببين: الأول وهو العلاقة الطبيعية بين والدة الإله وابنها الإله المتجسد وثانياً قيامة يسوع المسيح، لذلك وبحسب الكتب المنحولة عن الرقاد فقد خرج من جسد العذراء وحتى من قبرها في الجسمانية رائحة طيب زكي، ولثلاثة أيام بعد رقادها، وذلك قبل انتقالها بالجسد إلى السموات، سمّت الكنيسة هذا الانتقال بقيامة والدة الإله ومنها كل البشرية.

أصبح المسيح بقيامته من بين الأموات ووفق القديس بولس الرسول: “بكرٌ من الأموات” (كو18:1)، في حين ستكون قيامة البشرية في المجيء الثاني، عندما سيظهر المسيح ثانية، أما موت وانتقال والدة الإله إلى السموات بحسب مجريات الأحداث عند انتقالها: أي حضور المسيح والملائكة والرسل القديسين، بمعنى آخر الكنيسة، ليس إلا صورة عن يوم الدينونة.

لدينا، في النص المنحول ليوحنا عن رقاد السيدة، وجهة نظر لاهوتية عن والدة الإله وذلك بكونها وسيطة بين البشر وابنها يسوع المسيح، لذلك مبررٌ أن تُكرِّم الكنيسة والدة الإله بطريقة أسمى من الشيروبيم والسيرافيم وليس فقط أسمى من كل البشر، وكذلك نحن نكرّم والدة الإله ونحترم عيد رقادها بشكل كبير لأن يوم رقادها وانتقالها إلى السموات يشكّل تأكيد على إمكانية دخولنا إلى ملكوت الله وذلك بنعمة الله وبشفاعتها وحمايتها وجهادنا الشخصي.

أصبحت مريم العذراء والدة الإله لأن في أحشائها ولد يسوع المسيح بالطبيعة البشرية بحلول الروح القدس عليها، وهي أيضاً أُمُّنا جميعاً لأننا عندما نتناول جسد المسيح ودمه نصبح إخوة للمسيح وبالتالي تصبح العذراء أُمَّنا، وكأم لنا تحمينا من كل الشدائد عندما ندعو اسمها المقدس في الشفاعة.



ماذا يقول التقليد الكنسي عن العيد ؟
لم يذكر لنا الانجيل شيئا عن رقاد والدة الاله كما انه لم يسلط الضوء على تفاصيل حياتها ايضا أنما ما يذكره القديس يوحنا الدمشقي في اوائل القرن الثامن في عظته الشهيرة حول رقاد السيدة العذراء كاف لتثبيت التراث الشفهي الذي شاع في الكنيسة منذ قرون الاولى ونقل الينا في مخطوطات بعنوان " كتاب يوحنا اللاهوتي حول رقاد والدة الاله الكلية القداسة " .


وقد وجدت نسخ من هذه المخطوطات باللغات اليونانية والسريانية والعربية , وكلها تعود الى اوائل القرن الرابع للميلاد . اما الدمشقي الذي اشتهر بكتاباته المريمية فأكد لنا ان المسيح بنفسه قد حضر الى مضجع والدته المحاط بالرسل الذين استقدموا بالروح من اقاصي الارض حيث كانوا يركزون ليلبسها حلة عدم الفساد . التقليد الكنسي يروي لنا انه حين كان الرسل رافعين النعش الذي كانت عليه مريم مضطجعة حاملين اياه الى القبر واذ كانت الملائكة تشاركهم الترتيل من السماء تجاسر احد المارة ان يمد يديه بوقاحة على النعش وفي الحال نال من القضاء الالهي ما استوجبته وقاحته من القصاص فقطعت يده بضربة قوية ! ( على بعض الايقونات يظهر ملاك مستلاً سيفاً يقطع يد المتطفل )

يقول التقليد الشفوي ايضاً ان الرسل بعد العنصرة اخذوا يجتمعون معا بانتضام واذ اتكاوا للغداء بعد الصلاة كانوا يتركون ما بينهم موضعاً خالياً ويضعون على الوسادة قطعة من الخبز الذي يأكلونه يدعونها جزء الرب . واذا نهضوا بعد الغداء وصلوا وشكروا يأخذون تلك القطعة فيرفعونها قائلين " المجد لك يا الهنا المجد لك , المجد للاب والابن والروح القدس " وكانوا يرددون المسيح قام لفترة تترواح بين الفصح والصعود . اما من بعد الصعود فكانوا يهتفون " عظيم اسم الثالوث القدوس ايها الرب المسيح اعنا " وهكذا حتى افترقوا للكرازة .

ولكي يبقى هذا التقليد حيا هكذا كان يفعل كل من الرسل حيثما وجد , الى ان اجتمعوا مقبلين بالسحب ليحضروا احتضار السيدة الذي لم يكن في الواقع الا انتقالاً اما في اليوم الثالث من دفنها واذ الرسل مجتمعين كعادتهم وفيما هم يرفعون جزء الرب قائلين " عجيب اسم ... " توقفوا وانذهلوا ! اذ يا له من عجب مستغرب السماء فتحت وظهرت العذراء بجسمها الطاهر ملتحفة بسحابة من النور وملائكة ظهروا متسربلين بالنور محيطين بها في الجو فقالت " السلام لكم افرحوا معي مدى الايام ... " فاندهش الرسل وهتفوا قائلين عوض " ايها الرب يسوع المسيح اعنا " " يا والده الاله الكلية القداسة اعينينا " حينئذ ذهبوا الى القبر واذ لم يجدوا جسدها تيقنوا من حقيقة قيامتها من بين الاموات حية بجسدها نظير ابنها منطلقة الى السماوات .
قد يتخيل للبعض ان هذه الرواية خيالية بعيدة كل البعد عن الحقيقة والموضوعية ولكن من يقرأ الانجيل بايمان ويعجب بآياته لا يستغرب تقليداً كهذا بل هو تتمة منطقية لحياة الكلية القداسة وتتويج طبيعي لحياة طاهرة كحياة مريم التي اتخذ السيد جسدا من جسدها . أليس هو القائل " من امن بي وان مات فسيحيا " فكيف بالحرى من جسدت الايمان بشخصها وحوت باحشائها سيد العالم وخالقه ؟....


القديس يوحنا الدمشقي يهتف بلغه الايمان في عظته الشهيرة حول رقاد مريم :" اليوم تعبر من الارض الى السماء تلك السلم التي نزل عليها العلي ( وهنا يشير الى سلم يعقوب في حلمه كما ورد في كتاب التكوين )...
" هذا القبر اقدس من قدس الاقداس حيث لا حوى لا الظلال والرموز بل الحقيقة عينها ... ارفع نظرك يا شعب الله وشاهد خيمه اله الصباووت في الجثمانيه وقد حضر الرسل اليها ودفنوا الجسد مبدا الحياه الذي كان قد حوى ابن الله ..."

ايقونه رقاد والده الاله او انتقالها
" ايها الرسل اجتمعوا من الاقطار الى هنا في قرية الجسمانية واضجعوا جسدي وانت تقبل روحي يا ابني والهي "

هذه الترتيلة صورة عن الخطوط العريضة التي اتبعها رسامو الايقونات لرسم ايقونة الرقاد . هناك في دير القديسة كاترينا في صحراء سيناء (25سم*38سم) رائعة من حيث الفن التصويري يعود تاليفها الى القرن الثاني عشر , واضحة جداً في تصميمها الذي لا يتغير في كافة انحاء البلدان الارثوذكسية. وكلنا نعلم ان لأيقونات هذا الدير قيمة منفردة اذ لم تتأثر بموجة الفتك بالايقونات التي سادت في القرن الثامن . المشهد هو نفسه في كل الايقونات التي تودي


معنى الانتقال :

العذراء مريم منطرحة على الفراش الموت جسدها منطو افقيا وكانه يكاد ينقلب لتوازنه غير الثابت ...
وهذا يفسر بسبب عدم وجود العمق في فن الايقونات , كل شئ يرسم سطحيا اذ لا وجود لبعد ثالث كما في اللوحات العادية فجسد مريم منحن عاكف على الناظر بكثير من الرقة اما المسيح فهو منتصب في وسط الايقونة جسده في اكثر الاحيان محاط بهالة بهية من النور الازلي يحمل مريم في يديه مقمطة بلفائف كطفل صغير وكانها تولد من السماء على يدي ولدها وسيدها . من ينظر الى الايقونة من بعيد يتراءى له الخطان اللذان يؤلفان مريم ويسوع وكانهما خطا صليب السيد :فالصليب منصب ابدا في حياة الكنيسة .


اما الرسل فيحيطون بجسد مريم بشكل نصف دائره نلمح بوضوح اربعة منهم : " بطرس منحن فوق رأس مريم وعلائم الحزن والتأمل ظاهرة على وجهه , بولس منعكفا عند قدميها منذهل , يوحنا التلميذ الحبيب يقبل نعشها بحزن عميق , واما اندراوس فهو واقف وراء بطرس " يوجد عادة أساقفة في اللوحة يتميزون بلباسهم الكنسي . أما الملائكة فيشتركون بفرح بهذا المشهد الحزين فيضفون عليه علائم السموات .


اما روسيا في القرون الوسطى عندما كانت مدينة كييف عاصمتها فكانت تعتبر عيد رقاد السيدة عيداً وطنياً وتضع نفسها تحت شفاعة العذراء مريم وحمايتها ازاء الغزوات الخارجيه ولذلك اشتهر الفن الروسي في اداء لوحات رقاد العذراء كما تميزت مدينه نوفغورود برساميها فكان التاليف نيرا ساطعا .

معنى العيد
ان نشأة هذا العيد غامضة في العالم المسيحي ففي فلسطين كان يقام العيد في 15آب ما قبل القرن السادس أما في مصر فكان يقام في 18كانون الثاني وقد انتقل هذا التاريخ من مصر الى بلاد غالية في القرن الرابع اما في القرن السابع فقد ثبت الامبراطور البيزنطي موريس تاريخ 15آب بطريقه نهائيه . انه من اهم الاعياد الكنسية وتحضر الكنيسة المومنين له بصوم يدوم اربعة عشر يوماً , وهو من اهم الاعياد السيدية . القراءات التي تتلى فيه هي نفسها التي تتلى في ميلاد السيدة ولا تنوه قطعاً عن رقاد السيدة .

اما المعنى الروحي للعيد فيتجلى في تراتيل صلاه الغروب والسحريه ولكن في الواقه هناك عده معان من الصلوات المختصه بالرقاد:


المعنى الاول :

" ان ينبوع الحياة الحية قد وضعت في قبر – واصبح ضريحها سلم السماء " يشير اول شطر من العباره ان الكنيسة تعيد ذكر رقاد والده الاله بالجسد وانتقال نفسها الى السموات : " ان القوات الملائكية انذهلوا لما شاهدوا سيدهم ضابطا نفسا انسانية " مع العلم اننا لا نعلم يقينا لا متى ولا اين توفيت مريم . المعلومات كلها ابو كريفيه . يوجد منذ القدم تقليدان حسب الاول تكون مريم قد توفيت في اورشليم ودفنت في الجثمانيه واما التقليد الثاني فيقول انها ماتت في مدينه افسس . ولكن هذا العيد يتجاوز في معناه الرقاد الجسدي فالقسم الثاني من العباره يسلط الاضواء على معنى روحي اعمق : ضريحها يصبح سلما للسموات , " افتحوا الابواب .. استعدوا لاستقبال ام النور الذي لا يغرب .. لان في هذا اليوم تفتح السماء حشاها لتستقبلها ".

المعنى الثاني :

العيد ليس فقط احتفالا بولادة مريم في السماء كما تشير اليه الايقونة بل عيد انتقال مريم بالجسد الى السماء والنصوص التي تشير الى ذلك عديدة في طقوسنا " ان والدة الاله التي لا تغفل في الشفاعات ... لم يضبطها قبر ولا موت " ... " لانك انتقلت الى الحياة بما انك ام الحياة " ... وبالتالي جسد مريم الكلي الطهر لم يعرف الفساد الناتج عن الموت وتفككه بل نقل بواسطة الملائكة الى السماء .


اما الكنيسة فلم تفرض هذا التعليم على المومنين كعقيدة ولكن ضمير الكنيسة الحي عبر الاجيال يعتبر نفي انتقال السيدة الى السماء كتجديف اكيد . مريم هي تلك المخلوقة المنفردة في النقاوة والطهارة الجليلة في سر صمتها , المتسامية في عمق آلامها , التي تجاوزت حدود الطبيعة وطارت الى اقرب حد يستطيع ان يصل اليه انسان فتعالت عن الملائكة وتألهت بتواضعها ولذلك مجدها ابنها بجسدها ونقله اليه . وهكذا تعيد الكنيسة بمريم اول قيامة قبل القيامة العامة .

المعنى الثالث :

" الموت صار عربونا للحياة ... " العيد هو عيد كل الطبيعة الانسانية لان مريم توصلت الجبلة الترابية النتنة الى هدفها الاسمى وسمح لها بالرجاء ... رقاد العذراء يمثل لنا المجد الذي يمكن ان نصير اليه اذا ما اثمرت النعمه فينا بفعل الروح القدس . ومهما يكن من شان الحدث التاريخي فالمهم بالنسبة الينا ان الكنيسة تركز في قراءاتها على المعنى الروحي للحدث الروحي وقد اوجزه لنا بولس الرسول في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس : " كما لبسنا صورة الترابي سنلبس ايضا صورة السماوي ... اذا نحن ايضا سنتغير " ( 1كورنثوس 49:15 و52) .


لا شك ان لمريم وضعاً خاصاً وامتيازات خاصة ولكن لنا شفيعة اذا لم تهملنا برقادها ممهده لنا الطريق الى السماء واضعة نصب اعيننا امكانات الطبيعة الانسانية الكامنة في طياتها المنتظرة ندى الروح القدس لكي تنفتح وتتدفق حياة وقداسة .


مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين

سامر يوسف الياس مصلح

بيت ساحور

28/08/2011


كل عام و أنتم بألف خير


الخميس، 18 أغسطس 2011

عيد تجلي ربنا و مخلصنا يسوع المسيح


يكشف كل عيد من الأعياد السيدية الحقائق اللاهوتية لسر التدبير الإلهي الضرورية لخلاصنا، ومنها عيد التجلي:
1). المسيح هو الله
بالعودة للمقطع الإنجيلي لحادثة التجلي نلاحظ أنه يحدثنا عن النور الغير المخلوق الذي يصدر من المسيح فينير كل من حوله، وعن “سحابة نيّرة” التي هي علامة في الكتاب المقدس لظهور الله، وصوت يُسمع من وسط هذه السحابة يقول: “وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا” (متى5:17)،


بالإضافة لأن الأنبياء الكبار أي موسى وإيليا الذين ظهروا داخل هذه السحابة كشفوا لنا أن المسيح هو سيد الأحياء والأموات وليس نبي مثلهم وليس شخص معادي لله كما حاول اليهود إظهاره حيث تكلّموا معه عن “خروجه” (لو31:9) الذي سيتم في أورشليم، ولن ننسى التلاميذ الذين سقطوا على وجههم غير قادرين على تحمّل نور المسيح الإله، كل هذه الأمور توضح وبشكل جلي الطبيعة الإلهية للمسيح. تلك الطبيعة الإلهية المخفية بإرادته وراء الطبيعة البشرية، والتي يكشفها للذين يطلبونه بقلب نقي.


2). الطبيعة البشرية للمسيح الممجدة

فاض، في حادثة التجلي، نور بهي من جسد المسيح، حتى من ثيابه أيضاً (لو29:9). هذا الحدث لم يظهر فقط الطبيعة الإلهية للمسيح بل مجّد الطبيعة البشرية، مجد آدم الجديد الذي لم يتلوث أبداً بالخطيئة.

طبيعة المسيح البشرية كانت ممجدة من لحظة الحبل به من والدة الإله ولكن هذا المجد لم يظهر حتى التجلي، فقد أمسكت أعين التلاميذ عن رؤية هذا المجد، ولكن الآن ولأول مرة انفتحت أعينهم ليروا ما لدى المسيح منذ لحظة ولادته، بالحقيقة المسيح لم يظهر شيء مخفي بل أعين التلاميذ هي التي تجلت روحياً وأصبحت قادرة أن ترى النور الغير المخلوق.


النور الذي سينير دوما ملكوت السموات حيث لا يكون ليل أبداً “ولا يكون ليل هناك ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس لأن الرب الإله ينير عليهم” (رؤ5:22).

ما قام به المسيح سيفعله البشر المؤمنون عندما يستنيرون بنوره لأنه قال: “حينئذٍ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم” (متى 43:13)، ويؤكده لنا أولاً بذاته عندما تجلى وأظهر نوره وثانياً عندما سيرسل لنا نعمة الروح القدس، في يوم العنصرة، عندها سينعم المؤمنون بالنعمة الإلهية وسيؤكدونها القديسون بحياتهم الجهادية عندما يضيؤون بنعمة الروح القدس عبر كل العصور.


"ان التجلي ظهر في جبل طابور في الجليل، لكنه جبل غير عال، ارتفاعه نحو 600 متر فقط. ولهذا يقول بعض العلماء، وانا اتبعهم في تفسيرهم، ان الرب تجلى على رأس جبل الشيخ هنا عندنا. ويدل بعض الوقائع في الانجيل على انه كان هناك او قريبا من ذلك الموقع. ماذا يعني ان وجهه صار يلتمع كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالثلج؟

يجب ان نتعمق قليلا لكي نفهم، لأن الانجيل سيعطينا درسا لاهوتيا، وهو لا يريد وقائع كما الصحف، بل يريد ان يوصلنا الى مكان. اولا تذكرون ان الرب يسوع كانت له طبيعتان: الهية وانسانية، يعني قبل ان يولد من العذراء كان موجوداً، كان الها او ابن الله، وظهر لاحقا من مريم.

وعندما بشرها الملاك، كان إلها وانسانا معا. ولكن اراد عندما صار انسانا ان يحجب نور الالهية عنه، لانه لا يستطيع ان يمشي بين الناس ويعلم ويشفي المرضى وعلى وجهه وثيابه نور طيلة الوقت. يريد ان يساوي نفسه مع الناس. ولذلك أخذ شكل الناس وحجب النور الالهي في داخله، وما حدث على الجبل، ان وجهه وثيابه تغيرت. في الحقيقة، أظهر طبيعته الالهية للتلامذة، لماذا فعل ذلك؟ لانه اراد ان يبين لهم انه سيتمجد على الصليب وفي القيامة كي يمهد لهم الفهم لمجده الحقيقي. كشف لهم ذاته موقتا يوم التجلي".

واضاف: "هذا التفسير أوضحه الانجيل عندما قال: "انه سمع صوت يقول هذا الابن الحبيب الذي به سررت. وقالها قبل ذلك في المعمودية، في معموديته في نهر الاردن، تدخل الآب ليثبت ان هذا الشخص الذي ترونه من لحم ودم هو ابن الله. اذاً، فما معنى انه أحضر معه الى الجبل موسى وايليا؟ وقلت لكم ان موسى لم يستطع ان يرى وجه الله، فقط الآن شاهد موسى وجه الله للمرة الاولى على وجه يسوع. يعني وجه يسوع هو وجه الله، في حين لم يشاهد وجهه الا المسيح ابنه، لم يصعد احد الى السماء الا من نزل من السماء، ابن البشر الذي هو في السماء".

وتابع: "نحن اذاً نريد ان نطلب الله بأعمالنا وكلامنا وسلوكنا اذا كنا نريده، ولكن اذا قررنا ان نبقى نصابين ومحتالين وكذابين فمعنى ذلك اننا لا نريد وجه الله حتى لو اتينا مساء العيد الى الكنيسة. اذا كنا نريد الله ونريد ان يغير لنا طبيعتنا، يعني ان يجملنا كما اظهر جماله على وجه يسوع، اذا كنا نريد الله نريد ان نطلب يسوع، فيجب ان نكون مثله ونتشبه به ونقتبس اخلاقه.

لهذا، اطلب منكم ان تصيروا مثل المسيح، هذا المطلوب وهذه هي المسيحية، يجب ان نكون صادقين شفافين، ما في قلبنا هو ذاته على لساننا، يجب ان نقرر ان نتبع يسوع".

تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بعيد التجلي في اليوم السادس من شهر اب من كل عام(شرقي)أي التاسع عشر من شهر آب (غربي) ، تجلى يسوع امام جبل عالي امام تلاميذه ، فاشع وجهه كالشمس وتلالات ملابسه كالنور ، واذا موسى وايليا تراءيا لهم يكلمانه مخاطب ...(هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت فله اسمعوا )

تعني العبارة اليونانية "تجلي" أي تحول أي اتخذ شكلا سماويا تنقل فكرنا الى قول القديس بولس "مع انه في الصورة الله اتخذ صورة العبد وصار على مثال البشر أي ظهر بمظهر الانسان .

مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين
سامر يوسف الياس مصلح
بيت ساحور 19/08/2011

الاثنين، 1 أغسطس 2011

عيد النبي إيليا التشبي


أنت الكاهن الى الدهر على رتبة مليكصادق

قال الرب لربي إجلس عن يميني

يا اخوةُ اتخذوا الأنبياء الذين تكلّموا باسم الرب قدوة في احتمالِ المشقَّات وفي طول الأناة *فإنَّا نطوّب الصابرين وقد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عافية الرب. لأنَّ الرب متحننٌ جداً ورؤوفٌ *وقبل كلّ شيءٍ يا اخوتي لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالأرض ولا بقَسَمٍ آخر. ليكُنْ كلامكم نعم نعم ولا لا لئَلا تقعوا في الدينونة *هل فيكم أحدٌ في مشقاتٍ فليصلِّ أو في سرورٍ فليرتل *هل فيكم مريضٌ فليدعُ قسوس الكنيسة وليصلوا عليهِ ويدهنوهُ بزيتٍ باسمِ الرب *فإنَّ صلاة الايمان تخلّص المريض والربُّ ينهضهُ. وإن كان قد ارتكب خطايا تُغفر لهُ *اعترفوا بعضكم لبعضٍ بالزلات وصلّوا بعضكم لأجل بعض لكي تبرأوا. إنَّ طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها *كان ايليا انساناً قابل الآلام مثلنا وقد صلّى أن لا ينزل المطر فلم ينزل على الأرض مدّة ثلاث سنين وستة أشهر *ثمَّ عاد وصلَّى فأمطرت السماءُ وأخرجت الأرض ثمرها *أيُّها الاخوة ان ضلَّ أحدٌ بينكم عن الحقِّ فردَّهُ أحدٌ *فليعلَمْ أنَّ الذي ردَّ خاطئاً عن ضلال طريقِه قد خلَّص نفساً من الموت وسترَ جماً من الخطايا.


ايليا اسم عبري ومعناه الهي يهوه والصيغة اليونانية لهذا الإسم هي ايلياس وتستعمل غالبا ً في اللغة العربية وهو نبي عظيم عاش في المملكة الشمالية وبما أنه يدعى التشبي يرجح أنه ولد في تشبة ولكنه عاش في جلعاء وكان عادة يلبس ثوبا ً من الشعر وكان يقضي الكثير من وقته في البرية وبما أن ايزابل ساقت زوجها الملك وشعب اسرائيل إلى عبادة البعل ( الملوك الأول 16: 29 ) فقد تنبأ ايليا بأن الله يمنع المطر عن بني اسرائيل واعتزل إلى نهر كريت وكان الغربان تعوله وتأتي إليه بالطعام ( كما نرى في إحدى أيقوناته ) " بخبز ولحم " مرتين في اليوم، وبعد أن جف النهر ذهب إلى صرفة وهناك كانت الأرملة التي أرسله الله إليها، تجمع بعض عيدان الحطب عند باب المدينة، لتعد آخر وجبة غذائية لها ولابنها.


وبقي في بيت الأرملة ووفقا ً لوعد ايليا لها لم يفرغ بيتها من الدقيق والزيت طوال مدة الجفاف لأنها أطاعت أمر النبي بأن تعمل له كعكة صغيرة من هذا المخزون الضئيل الذي بقى لها، ولما مات ابن الأرملة صلى ايليا فأعاد الله الحياة إلى الصبي ( 1مل 17 : 17-24 ) .

وفي السنة الثالثة من الجفاف قابل النبي ايليا عوبديا وكيل أخاب ملك اسرائيل وكان عوبديا مؤمنا ً بالله واتفق معه على مقابلة الملك. وكان بين من يأكلون على مائدة إيزابيل زوجة الملك 450 نبياً للبعل ، و 400 نبي لعشتاروت ، بالرغم من المجاعة القاسيـة.


وبناء على اقتـراح إيليا، دعا أخآب كل هـؤلاء مع كل الشعب إلى جبل الكرمل، وحضر معه أنبياء البعل وعشتروت ليرى أيهما يرسل نار تلتهم المحرقة الرب أم البعل فصلى أنبياء البعل ولكن لم يكن من مجيب لصلاتهم ولكن لما دعا ايليا الرب استجاب له ونزلت نار من السماء التهمت المحرقة ويشير التقليد إلى أن هذه المعجزة تمت على جبل الكرمل في مكان يدعى حاليا ً المحرقة فأقر الشعب بأن الرب هو الإله الحقيقي وبناء على أمر ايليا قتل أنبياء البعل وعندئذ أعلن ايليا بأن المطر سوف ينزل، وصعـد إلى قمة الجبل وخر إلى الأرض ساجداً للرب في صلاة، وأرسل خادمه سبع مرات ليستطلع الجو عبر البحر، وأخيراً رأى غيمة صغيرة قدر كف إنسان صاعدة من البحر، وقبـل أن يعبر الملك وادي يزرعيل، هطل المطر العظيم من السماء التي تلبدت بالغيوم الداكنة بعد ثلاثة سنوات من الجفاف..



في تلك الليلة جاء رسول من إيزابيل إلى إيليا يحمل له رسالة : " أنت إيليا وأنا إيزابيل هكذا تفعل الآلهة وهكذا تريد إن لم اجعل نفسك كنفس واحد منهم" ( أي من أنبياء البعل المذبوحين ) " في نحو هذا الوقت غداً". فهرب إيليا فوراً طلباً للنجاة. وسار أربعين نهاراً وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب الذي يدعى أيضا ً جبل سيناء وبات في مغارة هناك. وقال إيليا: "غيرة غرت للرب إله الجنود لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك فبقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" محاولاً بذلك تبرير هروبه للرب.


ثم هناك ( على هذا الجبل ظهر الرب لموسى سابقاً ) أتى الرب بالريح والزلزلة والنار ولم يكن الرب لا في الريح ولا في الزلزلة ولا في النار، ولكنه في النهاية تكلم إلى ايليا في صوت منخفض خفيف وهو ما اعتاد الأنبياء سماعه في قرارة نفوسهم. ثم بعث الله ايليا ليمسح ياهو ملكا ً على اسرائيل ليمحو شر بيت أخاب وعباد البعل وليمسح حزائيل ملكا ً على آرام وليمسح أليشع نبيا ً ليخلفه.

دبرت الملكة ايزابل زوجة الملك أخاب قتل نابوت اليزرعيلي ليستولي زوجها على كرمه، ولما دخل أخاب ليأخذ الكرم بعد مقتل نابوت ظلما ً وعدوانا ً قابله ايليا على غير موعد وتنبأ بالموت الشنيع الذي سيموته أخاب وزوجته ايزابل وكذلك بالقضاء التام على ذرية أخاب. وكان حاضراً في ذلك المشهد قائد يدعى ياهو ، وهو نفس الشخص الذي اختبر ليكون ملكا على إسرائيل، ولم ينس قط ما رأى وما سمع. وقد رفعت توبة أخآب عنه بعض حدود القضاء.

ولكن أخزيا ابن أخاب وخليفته سقط عن العرش من النافذة فمرض وأرسل رسلا ً ليسألوا بعل زبوب إله عقرون عن شفائه فقابل ايليا الرسل وأرجعهم إلى الملك بدون أن يدعهم يذهبون إلى هيكل البعل غضب الملك من ايليا فأرسل ضابطاً مع خمسين رجلا ً ليقبضوا على ايليا ولكن النبي صلى فأتت نار من السماء والتهمت الضابط والخمسين رجلا ً معه وحدث الآمر ذاته مع ضابط ثاني وخمسين رجلا ً آخرين أما الضابط الثالث الذي أرسل إليه لأخذه فإنه تضرع إلى النبي لأجل حياته وحياة رجاله الخمسين عندئذ ذهب ايليا إلى الملك أخزيا وأنبأه بأنه ما دام قد حاول أن يستشير إلها ً وثنيا ً فإنه سيموت حالا ً وهكذا حدث وتمت هذه النبوة.



وفي نهاية أيام ايليا النبي ذهب إلى الأردن مع أليشع وضرب ايليا الأردن بردائه فانشق الماء وسار النبيان على اليابسة ثم ظهرت مركبة وفرسان نارية وحملت ايليا إلى السماء وترك ردائه لأليشع وقد وردت آخر إشارة إلى النبي ايليا في العهد القديم في سفر ملاخي النبي والتي فحواها أن الرب سيرسل ايليا النبي قبل يوم الرب العظيم .

أما في العهد الجديد فقد وعد الملاك جبرائيل أن يوحنا المعمدان سيقدم المسيح بروح ايليا وقوته في إنجيل لوقا وفي هذا المعنى قال الرب أن ايليا قد جاء في شخص يوحنا المعمدان في إنجيل متى وفي عظة يسوع التي ألقاها في الناصرة أشار يسوع إلى إقامة ايليا في بيت أرملة صرفة في إنجيل لوقا وقد ظهر ايليا وموسى مع يسوع عند التجلي في إنجيل لوقا كذلك ويذكر يعقوب الرسول في رسالته الجامعة صلاة ايليا لأجل امتناع المطر وصلاته من أجل نزول المطر كمثال لقوة صلاة البار .

هذا ما أوردناه بإختصار شديد عن حياة ايليا النبي العظيم لتكون هذه القصة تعين الأخوة المؤمنين وتشدهم إلى الدخول في رحاب كلمة الله المعلنة والمدونة في الكتاب المقدس .




خدمة إيليا :

إن تقديرنا لأهمية خدمة إيليا يتوقف على مدى إدراكنا للأحوال التي واجهها النبي في إسرائيل. فبينما كان حكم أخآب ناجحاً بحسب الظاهر، وكان الملك نفسه على درجة من الحنكة السياسية مع شجاعة شخصيته إلا أنه في سياسته الدينية تهاون مع العقائد الباطلة والعبادات الوثنية، مما كان لابد أن يـؤدى إلى الكارثة. فمنذ أيام يشوع كانت عبادة يهوه في صراع مع عبادة الكنعانيين القديمة لقوات الطبيعة، عبادة آلهة محليين مثل " البعليم " أو " أرباب " هذه أو تلك من الأمم المجاورة الذين قامت مذابحهم على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء.

والإله الذي جاءت به إيزابيل من فينيقيـة، كان يحمل أيضاً اسم " بعل "، لكن صفاته وأساليب عبادته كانت أسـوأ وأخس من كل ما عـرف من قبل، وأدت مقاومة عبيد يهـوه لأوامر الملكة بخصـوص آلهتها المفضلـة، إلى اضطهـاد عبيد الرب الأمناء. وفى مواجهة هذا الخطر اختفت الخلافات التي كانت بين عبادة الله في المملكة الشمالية وعبادة الله كما كانت تجرى في أورشليم وكان كل مسعى إيليا، هو دعوة الشعب من عبادة آلهة الصيدونيين إلى عبادة الرب إله آبائهم.


ونرى قوة القيادة الحقيقية – في وسط المحنة – في أمانة شخص مثل عوبديا أو ولاء البقية التقية رغم كل ذلك الاضطهاد. إن العمل الذي بدأه إيليا، قد ختمه ياهو بالدم، حتى إننا لم نعد نسمع بعد ذلك عن عبادة البعل في إسرائيل. وافتراض أن إيليا في حوريب عرف معنى " لطـف الله "، ليتعارض تماماً مع القرينة المباشرة ومع تاريخ عصره.


وقد جاء الأمر إلى إيليا بأن يمسـح ملكاً على أرام، وآخر على إسرائيل، ونبياً ليكمل رسالته، مع الوعد بأن هؤلاء الثلاثة سيتعاونون معاً في تنفيذ القضاء الذي تستحقه مملكة إسرائيل العاصية لارتدادها عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام، ولم يكن إيليا داعياً للسلام، فلقد كانت رؤية السـلام محجوبة عن عينيه، محفوظة عن عينيه محفوظة لأنبياء سيجيئون بعده، كان عليه هو إعداد الطريق.


كانت رسالته هي إبادة عبادة الأصنام بأي ثمن لئلا بيبد إسرائيل ذاته، مع احتمالات ومضاعفات يصعب تقدير مضارها، ولولا ما قـام به إيليا تحت إرشـاد الله، لما كان هنـاك أسـاس يقف عليـه عاموس وهوشع .



شخصية النبي :

ما دونه الكتاب عن شخصية إيليا في رسالة الرسول يعقوب ( 5 : 17 ): " كان إيليا إنسانا تحت الآلام مثلنا " ليس إلا عبارة موجزة جداً ولكن بفحص الكتب التي نشرت عن حياة إيليا، نرى أنه من الممكن أنه مخطئ في استقراء معان من الحوادث، لم تقصد إليها هذه الأحداث بل ولا تحتملها، كما أنه من الممكن أن نقحم عليها أموراً هي محض خيال.


من السهل مثلا أن نرى بأن إيليا ظهر أمامنا في الكتاب بغتة، وأن أحداث ظهوره واختفائه تبدو غير متماسكة، ألا يكفى لتفسير ذلك، ملاحظة أن المؤرخ لم يقصد أن يضع سيرة كاملة لأي نبي أو أي ملك ولكنه كان يهدف إلى إبراز عمل الله في مملكتى إسرائيل ويهوذا من خلال الأنبياء؟..


لذلك لا نجد سوي بعض الأحداث فيما يختص بنبي مثل إيليا، بل إننا لا نجد شيئا بالمرة يتصل بشخصه إلا إذا كان له صلة مباشرة برسالته وقد تخيل البعض أنه كان ثمة "تدريب لإيليا" في اختبارات النبي، ولكن الإقرار بأنه لم يكن هناك بد من تلك التدريبات ليس معناه بالضرورة أن نستشفها من الحوادث والمشاهد التي تسجلت .

واستبعاد أي محاولة لتصوير تفاصيل الحياة الداخلية لإيليا – للأسباب المذكورة آنفا- لا يمنع من محاولة دراسة ما نراه في ظاهر القصة، من الإيمان بالله بأنه إله الطبيعة وإله العهد مع الآباء ونسلهم، والغيرة الملتهبة ضد العبادة الباطلة التي أزاحت الله عن المكان الذي يجب أن يكون له وحده، والرؤية الواضحة للرياء والباطل، والحكمة العميقة في مقاومة الارتداد بنفس الشجاعة بدون النظر إلى ذاته، وكل ذلك هو ما يبرز سمات النبي الحقيقي في أي عصر .

معجزات فى سيرة إيليا :

يجب الاعتراف بان العنصـر المعجزي بارز في اختبارات إيليا وأعماله. ولا يمكن تقييم ذلك بالانفصال عن الموقف العام الذي يقفه الدارس من المعجزات المدونة في العهد القديم.


فمحاولة تفسير أي معجزة أو أي جزء منها بطريقة عقلانية، أمر غير مجد على الإطلاق، "فغربان" إيليا ، يمكن بتغيير "الغين" إلى "عين" أن تصبح الكلمة "عربان"، ولكن مع الاعتراف بأن الشرقيين كرماء يمكن أن يأتوا بالطعام للنبي، إلا أن نغمة القصة ككل، تدل على أن الكاتب قصد "الغربان" وليس "العربان"، وأنه رأى فيها مزيداً من قدرة يهوه على كل شيء، كما يظهر ذلك أيضا في كور الدقيق وكوز الزيت، وكفايتهما للنبي وأرمله صرفة صيدا، وفى النار من السماء وشق نهر الأردن، وصعود إيليا في العاصفة إلى السماء.


ويرى بعض النقاد المحدثين أن ما جاء في الإصحاح الأول من سفر الملوك الثاني، هو إضافة متأخرة، ولكن ليست ثمة مشكلة حقيقية على الإطلاق، فبإمعان النظر، تزول أي مشكلة، فالنبي الصارم الذي يأمر بذبح 450 من أنبياء البعل، يستطيع أن يطلب أن تنزل نار من السماء لتلتهم جنود ملك مرتد عن الله. إن الغرض والمعنى المقصودين من قصة حياة إيليا، يمكن أن يدركهما أولئك الذين يقبلون فكر الكاتب عن الله وقدرته وعمله في الطبيعة ومع البشر، أكثر من أولئـك الذين يحاولون استبدال هذا المفهوم بآخر .

إيليا فى العهد الجديد :

ظهور إيليا وموسي على جبل التجلي، نراه مدونا في إنجيل متى (17 : 1-13 ) وفى إنجيل مرقس ( 9 : 2-13 )، وفى إنجيل لوقا ( 9 : 28-36 )، ويقول الرب يسوع إن إيليا المذكور في ملاخي هو يوحنا المعمدان. ولاشك أن مصير جنود أخزيا كان في ذهن يعقوب ويوحنا حينما أرادا أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل إيليا أيضا ( لو 9 : 54 ). ويشير المسيح نفسه إلى إيليا وذهابه إلى صرفة التي للصيدونيين ( لو 4 : 26.25 ). ويذكر بولس ما حدث من النبي في حـوريب ( رو 11 : 2-4 )، وفى رسالة يعقوب نرى فيما فعله إيليا قوة فاعلية صلاة البار.

والمـــــجد للثــــالوث الأقـــــدس
أميــــــــــــــــن

طروبارية مار الياس - باللحن الرابع

ايها الملاك بالجسم قاعدةُ الانبياءِ و ركنُهم , السابق الثاني
لحضور المسيح , ايلياس المجيدُ الموقر , لقد وجهتَ النعمة من
العلى لاليشعَ , ليطردَ الاسقام و يُطهرَ البرصَ , لذلك يُفيضُ
الاشفية لمُكرميهِ دائما


مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين
سامر يوسف الياس مصلح

02/08/2011