أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 28 ديسمبر 2014

أحد الآباء الأجداد القدّيسين

أحد أجداد ربّنا يسوع المسيح!.


لماذا رتّبت الكنيسة وضع هذا الإنجيل كتقدمة للميلاد والأهمّ لتثبيت هويّة أجداد الرّبّ يسوع المسيح؟!.

من هم أجداد الرّبّ يسوع المسيح؟ أكانوا كلّهم من القدّيسين الأبرار؟ الّذين انتظروا ربّهم آتيهم ليخلّصهم من خطايا عرفوها في أجسادهم، في نواياهم، وفي حياتهم اليوميّة؟ أهم الأنبياء الّذين قُتلوا ما بين الهيكل والمذبح؟! الّذين بدأوا طريق الشهادة بالدّم؟!... أم هم خليط البشريّة السّاقطة الّتي التزمها الإله الكلمة المتجسّد في كيانه، حاملاً عارها وقابلاً آلامها ليخلّصها من موت نفسها المحتّم، لأنّها أنكرته منذ البدء!!. من أوانها الأوّل البكر؟!.

وحدّثنا يسوع مجيبًا تسآلنا أيضًا وأيضًا بالأمثال!!. لماذا؟ لأنّ لهم آذانًا ولا يسمعون ولهم عيون ولا يبصرون.

هذا الشعب المختار الّذي أتاه الرّبّ لأنّه كان يعرف الإله الواحد المثلث الأقانيم، بدون وعي منه للحضرة القدّوسة في سلالة دمه!... كلّم الإله شعبه بالأمثال في تجسّده لأنّهم لم يقبلوه!.

الحقيقة الحق لا تقال إلاّ للمختارين الّذين هم من روح المتكلّم!.

واليهود لم يكونوا "متهوّدين" بالحقّ، الّذي عرفوه وٱنتظروه كلّ أيام حياتهم. لماذا؟! لأنّهم خلقوا إلهًا غير الإله الآتي إليهم!! غير الإله الّذي دفعه لهم الآب من وفي ذاته!! كانوا ينتظرون إلهًا قويًا، عنيفًا، قهّارًا، مؤدِّبًا لا يرحم ولا يسامح ولا يُحبّ!. إلهّا لابسًا حلّة الكهنوت الملوكيّة المطرّزة باللآلئ والذهب، تاركًا الفقراء ينهشون لحومهم وأجساد بعضهم البعض إذ لا مأكل لهم، لتبقى أبواب كهّان الهيكل مقفلة بوجوههم، لأنّ ثيابهم المرقّطة بالذهب أثمن من روح وحياة الإنسان أخيهم الّتي يتساوى فيها معهم، لأنّه إذا وعى تلك الحقيقة تنتفي كلّ غربة بين إنسان وآخر، بين غني وفقير، بين سيّد وعبد ليتّحد الكلّ في جسد ودم الإله الواحد!!.


ويبدأ السّرد الإنجيليّ... "إنسان صنع عشاءً عظيمًا ودعا كثيرين"... حسنٌ التوقف عند كلمة "عظيمًا"... العشاءات تستعمل بوصفها كلمة "كبير" "سخيّ".. إلخ... لكن عظيمًا فكلمة نادرة لوصف ذاك العشاء!!.

العشاء العظيم يقيمه العظماء!! إذاً الدّاعي اليوم للعشاء إنسان عظيم!! ويسوع قال:"أنا أتيت لأَخدِمَ لا لأُخدم" (متى 28:20).


الدّاعي هو الآب السّماويّ، آتيًا شعبه ليتعشّى في البيت معهم، في الفردوس، مع ٱبنه يسوع الإله الكلمة المرسل من لدن الآب ليخلّص ما قد هلك ومعهم!!! إنّها دعوة التوبة والرّجعة إلى من وما طرد عنه الإنسان لعدم حبّه وطاعته!!!. لعدم معرفته!!.



أنّه العودة إلى الآب بالابن، إلى فردوس الثالوث القدّوس!!.

إن أحببنا إنسانًا، صادقناه ودعيناه ليدخل مكان إقامتنا، فيجعلنا بتلك القربى خاصة معه وله!!. والمهمّ في هذا المثل الّذي يحكي قصّة أجداد يسوع، تاليًا، سلالة كلّ البشرية الّتي نحن رأسها في حمل الخطيئة، أنّها وبعد أن ٱنتظرت أجيالاً طوال ولم يأتها المخلّص، دُعيت إلى العشاء العظيم، لتعود هي إليه بالدخول إلى خدره، إلى مائدته!!! وتناقلت الألسنة الخبر والأسماع التسآل، من الدّاعي"؟! وفي سؤلها عرفت هويّته و"لكن"!!.

هذه الـ"لكن" كلمة قال أحدُ الآباء في كنيستنا، إنّها كلمة السّقوط بامتياز!! لماذا حدّدها هكذا؟؟ لأنّ الحبّ تسليم وقبول ووداعة!!. لأنّ كلمة الحياة الأبديّة هي الـ"نعم"! الّتي قالتها مريم رغم كلّ صعوباتها! "نعم يا رب ليكن لي بحسب قولك" وهي كلمة الإبن للآب :"لتكن مشيئتك"! أما اللاّكن ففيها بدء وحوار العقل والمنطق، لدحض فكر الآخر لذا أكّد الرّب: "يا بنيّ أعطني قلبك" ولا تجادلني بعقلك! لأنّه بالحبّ وحده يحيا الإنسان الإلهيّ!!.

رفض كلُّ أولئك، الّذين دُعوا إلى عشاء عرس الحمل فجعلهم ذلك يسقطون في جبّ حبّ العالم وارتموا خارج البيعة الإلهيّة المختارة!!.

هكذا بقي خارجًا في شوارع المدينة وأزّقتها، المساكين والجدّع والعميان والعرج!!... هؤلاء صاروا خاصة الإله ومدعويّه، لا الشعب المختار الّذي تجسّد الإله لينقذه بدءًا من سقوطه ليردّه إليه!!.

"ويبقى أيضًا محل يا سيّد! فقال السّيّد للعبد اخرُج إلى الطرق والأسيجة و"ٱضطرهم" إلى الدّخول حتّى يمتلئ بيتي"!!

هكذا قال الرّسول بولس:"اكرز بالكلمة ... في وقت مناسب وغير مناسب" (2 تيموثاوس 2:4). وهكذا كان على كلّ المدعوّين أن يسمعوا كلمة البشارة!. أن يأكلوا من مائدة العرس، أن يصبحوا عشراء العريس!!.



وأصدر الرّبّ الإله الرّحوم الطّويل الأناة الكثير الرّحمة "حكم الدينونة" على الّذين عرفوا لكنّهم رفضوا العشاء، على الّذين، التحفوا بالأكاذيب وبالاهتمامات الدنيويّة ليبتعدوا عن الإله!!. لم يكن لأيّ من أولئك الأغنياء فضول ولو المرور إلى موضع العشاء ليتعرّفوا ما ذاك العشاء؟! ومن الدّاعي، ومن المدعوّين!... لأنّهم عرفوا بعمق أعماق أنفسهم أنّهم إذا دخلوا المنزل ستكون لهم الرّغبة في البقاء، والشرّير داخلهم أخافهم فخافوا وشكّكهم فشكّوا!!!.

ماذا يريد منّا ذاك الإنسان الدّاعي؟؟ أليجعلنا أُجراء وعبيدًا له؟ يحرّكنا بأصبعه فيجعل حياتنا لعبة بين يديه ويحصل على مآربه منا ويبعدنا عن أهلنا؟!... عن أرزاقنا؟!... عن ممتلكاتنا؟!... عن أبقارنا الّتي ستحرث أرضنا؟!... أو عن شهوة أجسادنا بامتلاك نساءٍ زوجات لنا؟!... لتكثير نسلنا فيغتنوا بما حصّلناه لهم؟! ويعيشوا فرح البحبوحة الزائل ناسين الحياة الأبديّة؟!. "لا لنا يا الله، لا لنا بل لاسمك أعطِ المجد"!! (المزامير 9:113).

من الأجداد وحتّى يومنا هذا، يبقى الإنسان غارقًا في صمته ولا مبالاته! ليس ولا واحد هنا عاد ليشكر على الدّعوة!!. الجميع اعتذروا! قتلوا الدّاعي برفضهم دعوته لهم!. أنكروه! ٱستغنوا عن مآكله! عنه!!.

كلّنا خطئنا وأثمنا!. كلّنا مررنا بتلك التجارب وعشنا فيها!! كلّنا تساءلنا وشككنا، لكن بعضنا سمع صوت الحمل فٱستجاب لنداء الرّاعي! هذا لم "يلعنه" الآب الّذي أعطى حياته للابن لتُعَلّق على الصّليب من قبل شعبه!..

ألا نقف مع هذا الإنجيل وقفة صمتٍ ورهبة غير عارفين لماذا كلّنا في بدء حياتنا على الأرض ومع الرّبّ يسوع، لم نسمع كلمته ولا لبّينا النّداء سِراعًا ولا عبرنا جسور الحبّ الّتي أقامها لنا لنعبر عليها من أرض موتنا إلى الحياة الأبدية الّتي قدّمها لنا مجّانًا بجسده ودمه؟!. لكن البعض لبّوا النّداء وهم فتية في ريعان الشباب ولكن!!!.

تبقى المشكلة في السّقوط، الّذي يشدّ كلّ واحد منّا للعودة عن قرار التزام الحياة الأبديّة مطرحًا ومثوىً أخيرًا لحياتنا على الأرض!.

نحن لم نلبِّ نداء العشاء، لأنّنا لا نريد أن نتغيّر! لا نريد أن نعرى ويُبصق علينا ونُلطم، لأنّنا ٱخترنا إلهًا غير الإله الّذي رُبّينا على عبادته، أي "ذواتنا"... ونبقى كلّنا في سباق يومي حتّى نظهر ونقول ماذا نفعل، كيف نعطي، كيف نحيا لنبقى عظماء في عالمنا لا في عالم الإنجيل، لأنّ كلمة الله لا تقيّد ولسنا نحن منها!.

"أحد أجداد" الرّبّ يسوع هو منخسٌ ونداء لكلّ واحد منّا حتّى نسمع صوته ونأتي إليه تاركين وراءنا ثوب الخطيئة ليَلبسنا هو حلّة الميلاد الجديدة فيعمّدنا تاليًا بنوره على ضفاف أردن قلبه!.


” في احتفالنا اليوم بتذكار الجدود لنسبحن بإيمان يا مؤمنون المسيح الفادي الذي عظمهم في جميع الأمم . الرب الصانع غرائب العجائب . العزيز القدير الذي أبرز لنا من نسلهم عصا قوة . هي مريم فتاة الله النقية التي وحدها لم تذق خبرة الزواج . ومنها بزغت الزهرة أي الذي أثمر للجميع الحياة والنعيم الخالد والخلاص الأبدي ” ( اللحن الثامن – صلاة الغروب ).



أيها الأبناء المحبوبون بالرب الفادي يسوع المسيح
أيها المسيحيون الحسنى العبادة


أن كنيستنا المقدسة الإلهية , تدعونا اليوم وبفم مرنم الكنيسة ,لكي نحتفل ونقيم تذكار القديسين الأجداد ولنسبح فادينا المسيح الإله.

إن الاحتفال بتذكار الآباء الأجداد القديسين يأخذ بعداً روحياً عميقاً كوننا نقيم هذه الشعائر في المكان المقدس حيث الرعاة الساهرون على قطعانهم ” وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم…. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين : المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”. في هذا الحدث الهام والمميز كان للجنس البشري دور الشاهد لتجسد وتأنس كلمة الله للمسيح في المغارة القابلة الإله الواقعة قرب مدينة بيت لحم.

إن الآباء الأجداد وخاصة عميدهم وركنهم الأول وأب الآباء البطريرك إبراهيم الذي كان مسقط رأسه بلاد الكلدانيين , قد تربى في بيت وثنى يعبد والده الأصنام , علماً أن إبراهيم كان نبيهاً ذا لب نقي طاهر , لذا وبموهبة خاصة رفض السجود والعبادة للأصنام لأن هناك بون كبير بين الخالق والمخلوق , فحاشا أن يكون الله من ضمن هذه المخلوقات , وبالهام روحي في فهم نظام الكائنات والمرئيات , استطاع أن يسبح الإله الغير المنظور , فدعي بخليل الله وسجد له كالله (الله الغير المنظور).

لهذا السبب أصبح أب لكثيرين من الأمم , ومنه ولد البطاركة اسحق ويعقوب , ومن يعقوب ولد يهوذا وإخوته , ومن سبط يهوذا ولد الآباء الأجداد ومن نسلهم ولد المسيح .

بكلام آخر فان إبراهيم يصبح جد المسيح لأنه من نسله :” يظهر لنا عصا قوة هي مريم فتاة الله النقية التي وحدها لم تذق خبرة زواج. ومنها بزغت الزهرة أي المسيح الإله مخلصنا وفادينا ” . وبالإضافة لهذا الحدث فقد تنبأ مسبقاً أشعياء النبي القائل: “ولكن يعطيكم السيد نفسه آية . ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتعو اسمه عمانوئيل ” (أشعياء 14:7).

ويرتل مرنم الكنيسة :” لقد أصبح بنو إبراهيم أنبياء إلهيين كليي الحكمة . فسبقوا عن حرارة قلب وأخبروا بالروح القدس عن الكلمة أنه يولد من نسل إبراهيم ويهوذا . فبتضرعاتهم يا يسوع ارأف بنا جميعاً”.

كنيستنا الارثودكسية الرسولية المقدسة ,وخاصة كنيسة أورشليم التي منها ارتقى وبأصالة , خلفية الأجداد ومن نسب وصلب إبراهيم مثل القديس يعقوب أخي الرب أول رؤساء أساقفة أورشليم على كرسي الخلافة الرسولية الممتدة بقوة وثبات وبدون توقف , معطية شهادتها الكاملة والحقيقية للمسيح , وليس فقط بالطريقة التبشيرية أو الشركة الإلهية أي ليتروجياً,بل بالطريقة الطبيعية الحرة الأصيلة , أو لنقل بأكثر دقة فإنها تقدم شهادة أصيلة بدورها التاريخي في الحفاظ والخدمة والوقاية والسهر بكل بطولة وأريحية وشهامة في حفاظها على الوزنة التي أودعت بين يديها ,ألا وهي الأماكن المقدسة : مثل هذا المكان المقدس كمان الرعاة الساهرين في مدينتكم العامرة ,والمكان المقدس في مدينة بيت لحم حيث المهد الشريف وكذلك الأماكن المقدسة للصلب والقيامة في أورشليم .

بكلام اخر أيها الأخوة الأحباء

كنيسة المسيح التي هي جسد – الاله الانسان – ربنا يسوع المسيح من ناحية , وكما أن الكنيسة تعبر عن الحدود البيولوجية والاثنية والعنصرية , فهي فلك سر التدبير الالهي . يعني الفلك الذي به وفيه يتم تحقيق سر الخلاص للبشرية جمعاء بالمسيح.

هنا يتضرع المرنم قائلاً : (( لقد بررت الجدود بالايمان ايها المسيح الاله , وسبقت فخطبت بهم الكنيسة التي من الامم. فالقديسون يفتخرون مباهين بانه من نسلهم أينعت ثمرة شهيرة شريفة هي الفتاة التي ولدت بلا زرع . فبتضرعاتهم خلص نفوسنا .

أيها الاخوة الاحباء

كنيسة المسيح تعدنا وتهيئنا بفم ابائها القديسين حاملي الاله , لنجهز ونعد نفوسنا لنعيد ميلاد المسيح بالطريقة الروحية الالهية , وليس بالطريقة الجسدية والدنيوية , بالطريقة الملائمة والمناسبة لله, وليس بالطريقة الأثنية والأممية كما يأمرنا الرسول بولس: ” فأقول هذا أشهد بالرب أن لا تسلكوا في ما بعد كما يسلك سائر الامم أيضاً ببطل ذهنهم اذ هم مظلمو الفكر ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم” . ( افسس 18-17 :4).

هلموا نحتفل كلنا بالتذكار السنوي للاباء الذين نبغوا قبل الشريعة ,ابراهيم والذي معه , ونكرم سبط يهوذا بحق واجب ونعتصم بدقة بأقوال الأنبياء. فنهتف مع أشعياء النبي بصوت عظيم قائلين : ” ها ان العذراء تحبل وتلد ابناً هو عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” .

هذا هو بالتدقيق ابن العذراء مريم عمانوئيل فنمجده بقلوب نقية وحارة. هذا هو عمانوئيل الذي أحنى السماوات ونزل الى الأرض . المسيح قد ولد فمجدوا , المسيح أتى من السماء فاستقبلوا.

هذا لأنه كما يقول مرنم الكنيسة : الان يأتي رجاء الأمم وافداً من العذراء. وبيت لحم تفتح عدناً المغلقة فتحاً يليق باقتبال الكلمة متجسداً يضجع الجسد في مذوذ .امين



مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين
كل عام و الجميع بألف خير
سامر يوسف الياس مصلح
بيت ساحور - 28-12-2014

السبت، 15 نوفمبر 2014

نقل رفات القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر,



القديس جوارجيوس العظيم في الشهداء


ولد القديس جاورجيوس في مدينة اللد في فلسطين سنة"280م" من أبوين مسيحيين كانا من أصحاب الغنى و الشهرة الإجتماعية ، دخل في سلك الجندية و هو في السابعة عشرة من عمره، أحبه الإمبراطور (ذيوكلتيانس) و ادخله في فرقة الحرس الملكي ورقاه و جعله قائد الف. إشتهر في الحروب بإنتصاراته حتى لقب "باللابس الظفر".
و لما بدأ الإمبراطور يضطهد المسيحيين و يعذبهم و أصدر أوامره بإجبار المسيحيين على عبادة الأوثان و من رفض منهم يقتل على الفور. غضب جاورجيوس و دخل على الإمبراطور ، و جاهر بمسيحيته و دافع بحماسة عن المسيحيين و معتقداتهم . حاول الإمبراطور أن يثنيه عن عقيدته المسيحيه، بالوعود الخلابة و الترقية إلي أعلى الرتب و بإغداق الاموال عليه، لكنه رفض كل هذا في إلحاح و حزم. غضب الإمبراطور و أمر الجند بتعذيبه




إغرائه بالخطيئة ... الفتاة تنال اكليل الشهادة:
أخذ الملك يستشير أعوانه فى كيفية تعذيب هذا القائد ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه إهانة الملك وعدم التبخير والسجود لآلهة المملكة , فقدم أحد الأمراء إقتراحا بوضع جرجس مع فتاة جميلة من محظيات قصر الملك حتى يفقد عفته ثم يسهل بعد ذلك خضوعه لأوامر الملك وفى الحال كانت الفتاة داخل زنزانة القديس جرجس. ... ولكن ماذا تفعل كل محاولات إبليس أمام قوة الصلاة فقد كان القديس راكعاً يصلى الى السيد المسيح أن يعينه ويقويه وهنا نجد قوة الصلاة التى تغلب كل تجربة وتحول الدنس الى عفة ... وحولت الفتاة من الخطية الى الطهارة وما أن حضر رجال الملك فى الصباح لأخذذ الفتاة حتى وجدوا خلاف ما توقعوا. لأنهم وجدوا الفتاة الخليعة وقد اكتست بالحشمة وهى تعترف بإيمانها بالسيد المسيح إله جرجس.
وقد كانت مفاجأة صاعقة أصابت الملك وأعوانه بالذهول مما دعاه لإصدار أوامره بإعدامها فى الحال وهكذا نالت اكليل الشهادة , استشاط الملك غضبا فأمر جنوده بربط جرجس بأغلال قاسية ثم القوا على صدره حجراً كبيراً وتركوه الى اليوم التالى لعله يموت أو يخضع لأوامرهم ولكنه تحمل الألم وهو يشكر السيد المسيح


تعذيب القديس بالهنبازين وظهور رب المجد له:
حينما فشلت المحاولة فى إخضاع القديس، أمر الملك بتعذيبه بالهنبازين، وهى آلة تعذيب شنيعة عبارة عن دولاب حديدى به عجلتان من الحديد لكل منهما سكاكسن حادة وتدور كل عجلة عكس الأخرى. وعندما وضعوا جرجس داخل الدولاب وأداروا العجلتان أخذ جسده يتمزق والدم يسيل منه. وإمعانا فى التعذيب جاءوا بنار المشاعل ومرروها على جروحه ثم وضعوا كميات من الملح فوق جروحه ايضا حتى أصبحت آلامه فوق كل احتمال ومع ذلك كان جرجس يقدم الشكر للسيد المسيح الذى احتمل آلام الصليب من أجل خطايا البشرية .
وبينما القديس غارقا فى دمائه بين حى وميت إذ بنور قوى يظهر فجأة داخل غرفته فى السجن ويقترب منه مخلص العالم ويعطيه السلام قائلاً لا تخف يا حبيبى جرجس لأنى معك. وعندما لمس جراحاته إذ بها تلتئم بسرعة عجيبة وكأنه لم يصب بأى أذى



شدة على أربعة أوتاد فى جير حى وظهور رب المجد له للمرة الثانية ليشفيه من جراحه:
حينئذ أمر داديانوس أن يخرجوه من السجن ويحضروه بين يديه فى مجلس الحكم وكان القديس يرتل "الهى انظر الى معونتى" وقد سأله الحاضرون : يا جرجس من الذى شفاك فأجابهم القديس : انتم لا تستحقون أن تسمعوا اسم الذى شفانى حينئذ استشاطوا غيظا وأمروا أن يشد على أربعة أوتاد ويضرب مائة سوط على بطنه. ثم أمر الملك أن يأتىوا بجير حى ويوضع على جراحاته وقروحه جميعاً. ثم يصب على جسده كبريت مذاب فى خل عتيق ووكل لحراسته ثمانية جنود يحفظونه الى الغد .
اشتعلت النار وهاجت فى جسده وتألم جدا وللوقت نظر المخلص لالآمه فنزل اليه من السماء ومعه ملائكته الأطهار وقال هل : لك أقول يا حبيبى جرجس أنهض قائماً صحيحاً معافى من جميع الآمك، اثبت وتقو لأنى كائن معك عندئذ لمس الرب جسده وشفاه من جميع جروحه وأعطاه السلام وصعد الى السماء بمجد عظيم. أما المغبوط جرجس فأقام بقية الليل يسبح الى الصباح فلما رآه الجند وبقية الموكلين بحراسته انه صحيح معافى تعجبوا وأسرعوا وأعلموا الملوك



إتهام القديس بإنه ساحر ... وإيمان الساحر أثناسيوس:
فى اليوم التالى أمر الملك قائد حرسه بالذهاب الى السجب ليتحقق من موته حتى يدفنه خارج المدينة. ولكن فوجىء قائد الحرس بأن وجد القديس سليماً معافى من كل ما أصابه فذهب به الى الملك الذى اندهش عندما رآه فى كامل صحته , لكن الملك وأعوانه ابتدأوا ينسبون ما حدث للقديس بأنه ساحر.
لذلك أمر الملك بإحضار أعظم السحرة فى المملكة. وبسرعة كان الساحر أثناسيوس أمام الملك الذى طلب منه التغلب على جرجس وإخضاعه بقوة السحر وحالاً أخذ الساحر كأساً مملؤة شراباً ومزجها بكمية كبيرة من السم القاتل وقدمها الى القديس ليشربها، لكن القديس جرجس ردد فى نفسه قائلاً : "إن قوة الصليب عن الهالكين جهالة.
أما عندنا نحن المخلصون فهى قوة الله" ثم مد يده ورشم الكأس بعلامة الصليب المقدس وتناول كل ما فيها، والجميع ينظرون اليه متوقعين سقوطه.... ولكن طال انتظارهم إذ لم يؤثر السم فى جرجس فأغتاظ الساحر جدا وأخذ كأسا أخرى وضاعف كمية السم وقرأ عليها أسماء شياطينه المرعبة الأشر من الأولى مع ربط يدى القديس حى لايرشم علامة الصليب، لكن القديس رشم الصليب بفمه وتناول كأس السم ولكن لم يصبه أى أذى كما فى المرة الأولى , عندئذ سرت الدهشة بين جموع الحاضرين وصاح الجميع بما فيهم الساحر أثناسيوس الذى سجد بين قدمى القديس معلنين إيمانهم بالسيد المسيح الإله الحقيقى , فأستشاط الملك غيظاً والأمراء الذين معه وأصدروا أمراً بقطع رؤوسهم بحد السيف ونالوا اكليل الشهادة. لكن الملك أخذ يصر بأسنانه وهو يتوعد البطل بأن يذيقه أنواع العذابات إذا استمر على إيمانه بالسيد المسيح



تعذيبه بالشفرات الحادة:
أمر الملك بتعذيب جرجس بأن يمدد على شفرات حادة مثل السكاكين لتقطيع أعضاء جسمه، ولكن كلما حاول الجند كانت شفراتهم تتكر وتتناثر على الأرض


وضع حذاء المسامير فى رجلية:
لم يرتدع الملك بعد كل ما رآه بل تقسى قلبه وطلب من الجنود إحضار حذاء يدقوا فيه مسامير كبيرة ثم يلبسه جرجس ويامرونه بالجرى وفعلاً تم ذلك وأخذ الدم يسيل منه وهو يجرى وكان إذا توقف ينهال عليه الجند بالضرب بأعصاب البقر حتى تفجرت دماؤه من جميع جسمه وراح فى غيبوبة من شدة الالم ثم أخذوه والقوه فى السجن بين حى وميت. ولكن الرب يسوع ظهر له فى السجن وشفاه من جميع جراحاته



تعذيب القديس بالنورج ... وموته للمرة الأولى:

أمر الملك داديانوس بعد ذلك إمعاناً فى تعذيب القديس بأن يوضع داخل نورج بعجلة كبيرة ذات أطواق ومناجل وسيوف حادة وعندما أداروا العجلة والقديس بداخل النورج، انسحقت عظامه وتقطعت جميع أعضائه حتى ان الملك والأمراء أخذوا فى الاستهزاء به وكيف ان الهه لم يقدر أن يخلصه من أيديهم، ثم أمر الملك أن توضع عظامه ولحمه فى جب عميق حتى يتخلصوا منه نهائيا , ولكن السيد المسيح الإله القادر على كل شىء أراد ان يخزى الشيطان وعباد الأصنام.

إذ تزلزلت الأرض لأن رب الكون نزل وأقام جرجس حيا ... فما أن رأى هذا أحد الأمراء ويدعى اناضوليس حتى أعلن ايمانه بالسيد المسيح اله جرجس ومعه جمع غفير كان حاضراً وشاهد المعجرز العظيمة. ولكن الملك الجاحد أمر حالاً بقطع رؤوسهم حتى لايحدث شغب فى الشعب ونالوا اكليل الحياة الأبدية ثم أمر الملك بوضع القديس فى السجن حتى يتفنن فى طريقة يهلك بها القديس ويتخلص منه



تعذيب القديس بالمنشار ... وموته للمرة الثانية:


أمر الملك بعد ذلك بإحضار القديس ونشره بمنشار كبير الى نصفين وهو ممدد على الأرض مع ربط يديه ورجليه بسلاسل حديدية. ولما فارق القديس الحياة، أمر الملك بدفنه وأن يوضع عليه كميات كبيرة من رصاص وزفت وكبريت وأمر الجند أن يوقدوا ناراً حتى لايتبقى أى عصو من جسده يأخذه الناس ويكرموه , لكن رب المجد لم يترك أمير الشهداء يسخر منه أعوان الشيطان إذ نزل الرب يسوع من السماء ملائكته وأقام جرجس ووضعه على الأرض كأنه لم يصب بأى أذى. ومن ثم أخذ القديس يطوف فى الشوارع منادياً بأنه حى لكى يؤمن بالسيد المسيح الى الكل , أما الجموع فقد أحاطوا بالقديس ... والملك والأمراء اضطربوا جدأً حينما علموا أن القديس جرجس رجع حياً للمرة الثانية والجموع هتفت مؤمنة بإله جرجس مما جعل الملك يصدر أمره بإعدام كل من آمن بالسيد المسيح وقتله بالسيف


تعذيب القديس بطمره فى إناء به جير .. وظهور رئيس الملائكة ميخائيل له:


استشاط الملك غضبا لكل ما حدث فأمر بوضع جرجس فى حوض كبير مملوء جير حى غير مطفأ وذلك لمدة ثلاثة أيام مع حراسة مشددة حتى لا يقترب منه أحد وحالاً وضعوا القديس فى الحوض وهو مقيد اليدين والرجلين ولكن ماذا تفعل كل قوى الشيطان أما قوة ربنا يسوع المسيح الذى حول أتون النار الذى وضع فيه الثلاثة فتية القديسين كأنه ندى بارد.
وفى اليوم الثالث حضر الجند لإخراج جثته التى ظنوا انها تلاشت ولم يبقى غير العظام فقط ولكنهم فوجئوا بالقديس لم يصب بأى أذى فقد نزل رئيس الملائكة ميخائيل وحفظ القديس من أى شر


تعذيب القديس ورفعة على معصرة ... وموته للمرة الثالثة:


بعد ذلك أمر الملك الكافر داديانوس بإحضار جرجس أمامه وضربه بغير رحمة حتى تهرأ لحمه ثم أمر بوضعه فى المعصرة حتى فارق الحياة وأصبح جسده عبارة عن أجزاء متنائرة وبعد ذلك أمر الملك بطرحه على جبل عال حتى يستريح من الى الأبد. وبعد أن فعلوا أوامر الملك إذ حدث رعد فى السماء وبرق شديد والسيد المسيح له المجد ظهر على سحابة وأعاد جرجس الى الحياة مرة اخرى ليخزى به الكفرة عباد الشيطان وفى الحال آمن كثيرون بإله جرجس


داخل قصر الملك:


أخذت الملك حيرة شديدة فأخذ يلاطف جرجس ويكلمه برقة واعداً إياه أن يجعله الرجل الثانى فى المملكة إن بخر للأصنام ولو مرة واحدة. حتى لا تهلك المملكة بسببه وقد تظاهر القديس بالموافقة لتظهر عجائب , وفعلاً أمر الملك بإطلاق سراحه وإنزاله ضيفاً فى قصر الملك فى داخل القصر.

تقابل البطل القديس مع الملكة الكسندرة زوجة الملك التى كانت تريد رؤيته لما سمعت عن شجاعته وتحمله للعذابات وابتدأت تسأله عن سر قوته وعجائبه وتطرق الحديث عن الإله الواحد الأزلى الأبدى خالق كل شىء القادر على كل شىء. وعن تجسده فى أحشاء السيدة العذراء وأنه مصدر القوة التى يهبها لأولاده المؤمنين به وانه يقبل اليه كل تائب ويغفر له خطاياه وهو عون الذين يلتجئون اليه فى الشدائد والضيقات مما جعل الملكة تؤمن بالسيد المسيح. دون علم زوجها الملك

بعد أن فشلت كل محاولات الإمبراطور مع القديس لينكر عقيدته دعاه و أخذ يلاطفه و يتملقه بالوعود الأخاذه لكي يثنيه عن عزمه و يحمله على الرجوع عن إيمانه، فتظاهر القديس جاورجيوس هذه المره بأنه سيعود إلي عبادة الأوثان و طلب إلي الإمبراطور أن يسمح له بالذهاب إلي معبد الأوثان و يرى الآلهة ففرح الإمبراطور و أراد أن يكون هذا بإحتفال علني فجمع قواده و عظماء بلاطه و جمهور الشعب ليحضروا تقديم القربان للآله "أبولون" من يد جاورجيوس، و عندما حضر جاورجيوس تقدم إلي تمثال "أبولون" و رسم على نفسه إشارة الصليب و خاطب الصنم قائلاً له:


"أتريد أن أقدم لك الذبائح كانك إله السماء و الأرض"؟ فخرج صوت من أحشاء الصنم يقول:"إنني لست إلهاً، بل الإله الذي تعبده أنت يا جاورجيوس هو الإله الحق"

و في الحال سقط ذلك الصنم على الأرض و سقطت معه سائر الأصنام فتحطمت جميعها، فأمر الإمبراطور بقطع رأسه فطار صيت إستشهاده الرائع و جرأته النادرة في كل أرجاء الإمبراطورية و لذلك يدعى "العظيم في الشهداء" و منذ ذلك اليوم أخذ إسمه يتعاظم في كل البلاد شرقاً و غرباً و كثرت عجائبه حتى قامت الشعوب و الأفراد تتسابق في إكرامه و طلب شفاعته و تشييد الكنائس على إسمه و تسمية أبنائهم باسمه و هو من أقرب القديسين إلي عواطف المؤمنين.

و صوره الرسامون بصورة فارس مغوار، جميل الطلعة، عالي القامة، يطعن برمحه تنيناً هائلاً و يدوسه بسنابك حصانه و يخلص إبنه الملك من براثن التنين، و ترى تلك الأميرة واقفة مرتعدة من التنين و أبواها يشرفان عليها من فوق الأسوار و يمجدان بطولة جاورجيوس. هذه الصورة رمزية و معناها أن جاورجيوس الفارس البطل و الشهيد العظيم قد إنتصر على الشيطان الممثل بالتنين و هدأ روع الكنيسة الممثلة بابنة الملك.



نقل جسده الطاهر من مكان استشهاده إلي مدينة اللد في فلسطين، ووضع في الكنيسة التي بنيت على إسمه هناك.

تحتفل كنيستنا الأرثوذكسية بعيده في الثالث و العشرين من شهر نيسان شرقي(6 أيار غربي) من كل عامو تحتفل ايضاً كنيستنا الأرثوذكسية بعيد نقل رفاته إلى كنيسة اللد في السادس عشر من تشرين الثاني من كل عام



مع محبتي للجميع

سامر يوسف الياس مصلح
16/11/2014

الجمعة، 26 سبتمبر 2014

عيد إرتفاع الصليب المقدس


الصليب المقدس من العلامات التي يعتز بها المؤمن المسيحي، ويتجلى ذلك في حياته اليومية فنراه يرشم علامة الصليب في كل وقت كان، في الأفراح والأحزان والآلام. 

وعيد الصليب المقدس أو عيد اكتشاف الصليب المقدس، ويسمى أيضاً عيد رفع الصليب المحي. ولهذا العيد أصول قديمة نذكر منها: 

يذكر المؤرخ الكبير أوسابيوس القيصري بأن الملك الروماني قسطنطين الكبير (324ـ 337) الذي رأى علامة الصليب في السماء على مثال نور بهيئة الصليب مع مكتوب تحتها عبارة: (بهذه العلامة تغلب).


وإن أقدم شهادة عن وجود خشبة الصليب المقدس في أورشليم جاءتنا في خطبة للقديس كيرلس الأورشليمي الذي ذكر في سنة 347 بأن ذخائر خشبة الصليب المقدس وجدت الآن في العالم. ومن قوله هذا يمكن الاستنتاج بأن خشبة الصليب اكتشفت في الفترة بين 335ـ 347 م.

وذكرت ايجيرية الراهبة الأفرنجية في أخبار رحلاتها الى فلسطين بأن تذكار
اكتشاف الصليب تعلق بعيد التكريس وبأن العيد كان لمدة 7 ايام يجري خلالها تقديم الصليب المقدس لتسجد الناس له اكراماً وتشفعاً. 
ومن التقليد الكنسي عيّن تاريخ هذا العيد في 14 أيلول من كل عام وذلك منذ القرن السادس الميلادي. 

القصص الشعبية القديمة عن اكتشاف خشبة الصليب المقدس:
هناك العديد من القصص الشعبية القديمة التي تذكر حادثة اكتشاف خشبة الصليب المقدس ولكن أهمها وأكثرها انتشاراً هي قصة القديسة هيلانة والدة الملك قسطنطين الأول الكبير التي أتت الى الديار المقدسة في القرن الرابع، بعد انتصار الملك قسطنطين سنة 313 للبحث عن الصليب المقدس في أورشليم، وبعد أن سعت في مبتغاها استدلت على موضع القبر الجليل ، توقفت في اكتشاف الصليب مدفوناً بالقرب من الجلجلة بين ثلاثة صلبان وتحقق مكاريوس أسقف أورشليم من صحة عود الصليب المقدس. وتأكيدأ على صحة هذه القصة يجب ذكر قول للقديس يوحنا الذهبي الفم في خطبة القاها بين سنة 390ـ 395 والتي ذكر فيها بأن الفرق بين الصليب الصحيح والصليبين الأخرين عندما اكتشفتهما الملكة هيلانة كان واضحاً من اللوحة التي كتبت بأمر بيلاطس والتي بقيت معلقة عليه ويرى ذلك أيضاً القديس امبروسيوس أسقف ميلانو 374 ـ397) ويضيف إلى ذلك بأن هيلانة أم قسطنطين التي اكتشفت خشبة الصليب المقدس فعلاً.


وعندما قام الفرس بغزو اورشليم ونهبها سنة 614 كانت خشبة الصليب المقدس بين جملة الغنائم التي أخذوها ونقلوها معهم الى قطيسفون عاصمة مملكتهم الشتوية على نهر دجلة وبقي الصليب من حوزتهم حتى قام الإمبراطور الروماني هرقل واستظهر عليهم فردهم على أعقابهم وهزم جيوشهم وانتصر على كسرى الثاني سنة 628 وأعاد ذخيرة الصليب المقدس وبدخول الفاتحين الى القسطنطينية والتي استقبلت الموكب بأحتفال مهيب بالمصابيح وتراتيل النصر والإبتهاج. بعدها نقلت الذخيرة إلى إورشليم سنة 631. 

ويذكر التقليد أنّ الملك هرقل حمل الصليب على كتفه وسار به بحفاوة كبيرة بين الجموع المحتشدة إلى الجلجلة وهناك أحسّ الملك بقوة خفية تصده وتمنعه من دخول المكان فوقف الأسقف زكريا بطريرك أورشليم وقال للإمبراطور: (حذار أيها الملك أن هذه الملابس اللأمعة وما تشير اليه من مجد وعظمة تبعدك عن فقر المسيح يسوع ومذلة الصليب) وفي الحال خلع الملك ملابسه الفاخرة وارتدى ملابس حقيرة وتابع مسيره حافي القدمين حتى الجلجلة حيث رفع عود الصليب المكرم فسجد المؤمنون على الأرض، وهم يرنمون (لصليبك يارب نسجد ولقيامتك المقدسة نمجد). فأضيف تذكار هذه المسيرة الى عيد ارتفاع الصليب في 14 ايلول في اكثرية الطقوس.

ومن العادات الشعبية المقترنة بعيد الصليب إشعال النار على قمم الجبال أو أسطح الكنائس والمنازل أو في الساحات العامة، وترجع هذه العادة إلى النار التي أمرت القديسة هيلانة باشعالها من قمة جبل إلى أخرى لكي توصل خبر عثورها على الصليب للابنها الملك قسطنطين.



Holydoor
تسمى علامة الصليب علامة الظفر أي النصر، إذ من بعد موت المسيح عليه وقيامته من بين الأموات انتصر على الموت، ومن بعده حتى يومنا هذا يستخدم المسيحيون الصليب لكي ينتصروا على الشر. هذا الشر متعدد الأشكال والمصادر ويمكن تصنيفه وفق المصادر الثلاث التالية: العالم والجسد والشيطان.
1. العالم: ليس المقصود الأرض أو البحر أو السماء التي نعيش فيها إنما هم الناس غير المؤمنين وغير التائبين فيشكلون أعداء المسيحية الخفيين. في العصور الأولى للمسيحية كان المسيحيون يُضطَّهَدون بالقتل وأما اليوم فيُضطهدوا بالكلام الوضيع والهزأ والسخرية من المسيحيين غير المؤمنين. أما المسيحي الحق فهو لا يخافهم لأنه يعرف أنه من بعد الصلب هنالك الغلبة دوماً وبهذا الروح يرسم علامة الصليب بلا خجل ويقرأ الكتب المقدسة ويذهب إلى الكنيسة ويصلي ويلبس كما يليق بأبناء الله ويصوم ويعترف، ولذلك الشخص الذي يريد أن يتبع العالم ويصبح صديقاً له يصبح عدواً للمسيح والمسيحيين.
2. الجسد: هو ذات كل واحد منا التي لا تقف عن أن تطلب ملذاتها، والشخص الذي يتبع شهوات الجسد ورغباته لا يطلب السماء بل الجحيم، وذلك أنّ الانغماس بشهوات الجسد هو انغماس بالخطيئة وبالتالي نتيجته الموت والجحيم. أما رفع الصليب فيعني عدم تلبية مشتهيات الجسد المفسدة بل طلب ملكوت السموات.
3. الشيطان: هو العدو الأكبر الذي يحارب الإنسان بدون توقف. بعض غير المؤمنين لا يشعرون بوجود الشيطان ولا يؤمنون أنّه كائنٌ حقيقيّ، ولكنهم إن فتحوا أعينهم جيداً فهم سيرون أنه أخطر كائن على البشرية، هدفه جمع النفوس الضعيفة لتكون معه في حربها ضد المسيح أو المسيحيين. نحن ننام أما هو فيبقى ساهراً لا ينام، وكمثلِ أسدٍ جائع يبحث عن الطعام كذلك هو يبحث عن النفوس الضعيفة كي يطاردها ويصطادها.
أما كيف نتغلب على مصادر الشر فهذا يكون كما عمِلَ المسيح وعلّمنا:
1. العالم: المسيح لم يأبه لما سيقوله العالم عند صلبه بل كان هدفه أن تتحقق مشيئة الله الآب السماوية فينال بالصليب الغلبة على الموت، وهكذا نحن أيضاً علينا أن لا نأبه لما يقول العالم ولنتابع حياتنا المسيحية كما ترضي الله وليس البشر.
2. الجسد: هو أيضاً لم يأبه له فسلّمه للجلد والبصق والجروح والآلام والموت ومن بعد آلامه كلها قام وغلب كل ألم وهكذا نحن يجب أن نتحمل كل ألم عند الصوم والصلاة أو أي شيء آخر لأنه لا يقارن بآلام المسيح ولأنه من بعدها سيكون الظفر والغلبة.
3. الشيطان: بعودٍ غلب الشيطانُ آدمَ الأول وطُرد هذا الأخير بسببه من الفردوس، عكَسَ المسيح الأمرَ إذ بعودِ الصليب غلبَ الشيطان وفتح لنا أبواب الفردوس.
أخي المؤمن لا تأبه لكل حرب ضد مسيحيتك بل جاهد بالروح وبقوة الصليب الغالبة ستغلب كل تجربة وخطيئة.
يرتبط عيد رفع الصليب المقدس بذكرى استرجاع خشبة عود الصليب الذي عُلِّق عليه الربّ يسوع المسيح فأصبح رمزاً للفداء والقيامة والمجد .

   *    تخبرنا الأناجيل أن اليهود طلبوا من بيلاطس صلب يسوع , فخرج المسيح حاملاً صليبه إلى الموضع المسمّى الجلجلة . ومن الثابت أن يسوع مات على الصليب , وبعد موته اهتم يوسف الرامي, بإذن من الوالي بيلاطس البنطي , بإنزال جسد المسيح ووضعه في قبره الخاص الجديد.
ولكن ماذا جرى لصليب المسيح ؟ لقد طمروه في التراب مع الصليبين الآخرين , وبسب ما لاقاه المسيحيون من اضطهاد في القرون الثلاثة الأولى لم يجسر أحد على ذكره أو البحث عنه .

 *   لما وقعت الحرب بين الملك قسطنطين وخصمه مكسانس سنة 312 طلب الأول المعونة من إله المسيحيين, فظهر له صليب في الجو وحوله هذا الكتابة : " بهذه العلامة تنتصر".
عندها آمن الملك قسطنطين بالمسيح وأمر برسم الصليب على تروس جنوده , وانتصر في الحرب .
ثم أصدر مرسوم ميلانو سنة 313 وأقرَّ للمسيحية حق الوجود واعترف بالدين المسيحي وسمح به .

   * بعد هذا الظهور للصليب , ذهبت والدة الملك قسطنطين , القديسة هيلانة , إلى القدس تبحث عن صليب المسيح . وبعد الحفر وجدوا الصلبان الثلاثة , ولمعرفة صليب الربّ أتوا بمريض واكتشفوا أن صليب الشفاء هو صليب المسيح . فشيدت القديسة هيلانة في القدس كنيسة القيامة وجعلت فيها صليب المسيح للإكرام .

   *   في السنة 614 م. اجتاح ملك الفرس كسرى الشرق ودخل القدس وهدم كنيسة القيامة واستولى على عود الصليب وأخذه معه إلى بلاده ووضعه في هيكل الأصنام .
وبعد 14سنة , جاء الإمبراطور البيزنطي المسيحي هرقل وحارب ملك الفرس كسرى وانتصر عليه واستعاد عود الصليب المقدس وأرجعه باحتفال عظيم إلى القدس , وكان ذالك في 14 أيلول 628 م. فشمل الفرح العالم المسيحي الشرقي واخذوا الناس يتباركون من خشبة الصليب المقدس التي حلَّ عليها تم سرّ الفداء .

* ومنذ ذلك الحين والكنيسة تحتفل بهذا العيد العظيم : عيد رفع الصليب المقدس , كل سنة 14 أيلول.
ولا ننسى أنَّ ذكرى رفع الصليب لا يمكن فصلها عن الصلب والموت والقيامة من بين الأموات .
كيف أرى الصليب ؟
الصليب هو مِحْوَر الخلاص ومِحْوَر التاريخ البشريّ. لأنه بالصليب بدأنا نعرف من هو الله ومن هو الإنسان. فقد كشف الصليب لنا عن وجه الله المحبة, وأيضاً كشف لنا عمّا في الإنسان من حقد وكراهية وعنف . فالصليب هو حركة تضامن إلهي مع واقع الإنسان المليء بالتناقضات والظلم والقهر وعبودية الشرّ والموت.
الحياة بحد ذاتها تحمل صليباً. فالصليب هو واقعٌ في حياة كل إنسان :

الصعوبات والإخفاقات هي صليب
الظلم هو صليب
الآلام والمرض هي صليب
الموت هو صليب
ويسوع كإنسان حمل صليبه , حمل الظلم والشر والآلام .
ويسوع المسيح كإله ندّد بالظلم وبالخطيئة وبالشرّ .
ولكن يسوع المسيح كإنسان وإله صحّح مفهوم الصليب بموته وقيامته من بين الأموات .

ومن هنا يتبين لنا أن حقيقية الإيمان المسيحي تتلخص بقول يسوع : " من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني" .
لم يقل يسوع في دعوته هذه : " فليحمل صليبي" بل قال " فليحمل صليبه" ويتبعني, أي يحمل كلّ شخص أيام حياته يتبعني إلى القيامة , وهذا هو تماماً معنى إتباعه . إذ لا يمكن فصل حقيقة الصلب عن سرّ القيامة .
فإن قيامة المسيح هي اعتلان لقدرة الله , وتصديق لكلامه ولرسالته , وعلى ضوء القيامة نفهم معنى وهدف حياتنا ونفهم الخلاص .

أرى أنّ الصليب موجود في حياة كل منا , وبإيماننا نحمله حباً بالمسيح المصلوب .
أرى أنّ الصليب يحرّرنا من عاهاتنا ومن بؤسنا .
أرى أنّ الصليب يكشف لنا معايير وقيم جديدة نابعة من الحبّ الإلهي , نابعة من الله المحبة .


مع محبتي للجميع بالمسيح ربنا آمين
كل عام و الجميع بألف خير
لصليبك يا سيدنا نسجد و لقيامتك المقدسة نكرم و نمجد
سامر يوسف الياس مصلح
بيت ساحور - 27-09-2014